العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٩٠
وهذا القضاء ـ كما يفيدنا سقوط حضانة الأُم إذا تزوجت ـ يُفيدنا أولوية الخالة على العمّة، فإنّ عمّتها صفية كانت موجودة يومئذ وأُمها سلمى متزوجة بشداد بن الهادي الليثي حليف بني هاشم.
ويرشدنا طلب أمير المؤمنين الحضانة إلى أنّ أولوية الخالة على غيرها من الأقارب إنّما هو عند المخاصمة، وإلاّ فلم يخفِ الحكم على سيّد الوصيين، وهو مستقى الأحكام وينبوعها، وقد امتزجت ذاته المقدّسة بالمعارف الإلهية والأسرار الربوبية واستمدّ من اللوح المحفوظ.
ولعلّ السرّ الدقيق في مخاصمته معهما تعريف الأُمة مقامه الرفيع ومنزلته الكبرى التي لا يدانيها كُلّ أحد، والواجب عليه ـ بما أنّه المنقذ الأكبر وإمام الأُمة ـ إرشادها إلى الطريق اللاحب بأيّ نحو من أنحاء الكلام.
لقد كان جعفر ملازماً لصاحب الرسالة ملازمة الظلّ لديه، يرقب أفعاله وتروكه، ويسمع تعاليمه وعظاته، ويبصر أعماله وحكمه، ويقتصّ أثره منذ كان يصل جناح الرسول الأيسر في الصلاة بعد أمير المؤمنين وخديجة الكبرى.
وكانت قريش تخبط في غلواء جحودها، وتغلي مراجل بغضائها على الصادع بالدين الحنيف، وعلى كُلّ ذلك تمرّنه التعاليم النبويّة الخاصّة به، وتكهَربه تهذيبات المشرّع الأطهر، ولا تدعه جاذبة الدعوة الإلهية يلوي يميناً ولا شمالاً.