العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٢٨٦
فمن أُولئك العلماء القاضي أبو يعلى، وأحمد بن حنبل، وابن الجوزي[١]، والكيا الهراسي[٢]، والشيخ محمّد البكري، وسعد
[١]قال سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص ٢: ٢٦٦: " وذكر جدّي أبو الفرج في كتاب الردّ على المتعصّب العنيد المانع من ذمّ يزيد، وقال: سألني سائل فقال: ما تقول في يزيد بن معاوية؟
فقلت له: يكفيه ما به.
فقال: أتجّوز لعنته؟
فقلت: قد أجازها العلماء الورعون، منهم أحمد بن حنبل، فإنّه ذكر في حق يزيد ما يزيد على اللعنة.
قال جدي: وأخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقي البزّار، أنبأنا أبو إسحاق البرمكي، أنبأنا أبو بكر بن عبد العزيز بن جعفر، أنبأنا أحمد بن محمّد الخلال، حدّثنا محمّد بن علي، عن مهنّا ابن يحيى قال: سألت أحمد بن حنبل عن يزيد بن معاوية؟
فقال: هو الذي فعل ما فعل!
قلت: وما فعل؟
قال: نهب المدينة!
قلت: فتذكر عنه الحديث؟
قال: لا، ولا كرامة، لا ينبغي لأحد أن يكتب عنه الحديث.
وحكى جدّي أبو الفرج عن القاضي أبي يعلى الفرّاء في كتابه (المعتمد في الأصول) بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: إنّ قوماً ينسبوننا إلى توالي يزيد؟
فقلت: فلم لا تلعنه؟
فقال: فمتى رأيتني لعنت شيئاً! با بنىّ لِمَ لا يلعن من لعنه اللّه في كتابه؟
فقلت: وأين لعن اللّه يزيد في كتابه؟
فقال: في قوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) محمّد: ٢٢ - ٢٣ فهل يكون فساد أعظم من القتل؟
وفي رواية لما سأله صالح فقال: يا بنىّ ما أقول في رجل لعنه اللّه في كتابه؟ وذكره.
قال جدّي: وصنّف القاضي أبو يعلى الفرّاء كتاباً ذكر فيه بيان من يستحقّ اللّعن، وذكر منهم يزيد، وقال في الكتاب المذكور: الممتنع من جواز لعن يزيد إمّا أن يكون غير عالم بذلك، أو منافقاً يريد أن يوهم بذلك، وربّما استفّز الجهّال بقوله (عليه السلام): " المؤمن لا يكون لعّاناً ".
قال القاضي أبو الحسن: وهذا محمول على من لا يستحقّ اللّعن.
فإن قيل: فقوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ) محمّد: ٢٢) نزلت في منافقي اليهود؟
قلت: فقد أجاب جدّي عن هذا في كتابه (الرد على المتعصب العنيد) وقال في الجواب: إنّ الذي نقل هذا مقاتل بن سليمان، ذكره في تفسيره، وقد أجمع عامّة المحدّثين على كذبه ; كالبخاري، ووكيع، والساجي، والسعدي والرازي، والنسائي، وغيرهم.
وقال: فسرّها أحمد بأنّها في المسلمين، فكيف يقبل قول أحد إنّها نزلت في المنافقين؟
فإن قيل: فقد قال النبىّ ـ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ـ: " أوّل جيش يغزو القسطنطينية مغفور له "، ويزيد أوّل من غزاها؟
قلنا: فقد قال النبىّ ـ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ـ: "لعن اللّه من أخاف مدينتي" والآخر ينسخ الأوّل...
وأما قوله ـ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ـ: "أوّل جيش يغزو القسطنطينية"، فإنّما يعني أبا أيّوب الأنصاري، لإنّه كان فيهم.
ولا خلاف أنّ يزيد أخاف أهل المدينة، وسبى أهلها، ونهبها، وأباحها وتسمى وقعة الحرّة...
وقال جدىّ في كتاب (الردّ على المتعصب العنيد): ليس العجب من قتال ابن زياد الحسين، وتسليطه عمر بن سعد على قتله والشّمر، وحمل الرؤوس إليه، وإنّما العجب من خذلان يزيد، وضربه بالقضيب ثناياه، وحمل آل رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ـ سبايا على أقتاب الجمال وعزمه على ان يدفع فاطمة بنت الحسين إلى الرجل الذي طلبها، وإنشاد أبيات ابن الزبعري: ليت أشياخي ببدر شهدوا..
وردّه الرأس إلى المدينة ـ وقد تغيّر ريحه ـ وما كان مقصوده إلا الفضيحة وإظهار رائحته للناس، أفيجوز أن يفعل هذا بالخوارج؟! أليس إجماع المسلمين أنّ الخوارج والبغاة يكفنون ويصلّى عليهم ويدفنون؟!
وكذا قول يزيد: لي أنّ أسبيكم ـ لمّا طلب الرجل فاطمة بنت الحسين ـ قول لا يقنع لقائله وفاعله اللّعنة.
ولو لم يكن في قلبه أحقاد جاهليّة، وأضغان بدريّة لاحترم الرأس لمّا وصل إليه، ولم يضربه بالقضيب، وكفّنه ودفنه، وأحسن إلى آل رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [وآله] ـ.
قلت: والدليل على صحة هذا أنّه استدعى ابن زياد إليه وأعطاه أموالاً عظيمة، وتحفاً كثيرة، وقرّب مجلسه، ورفع منزلته، وأدخله على نسائه، وجعله نديمه، وسكر ليلة فقال للمغنّي: غنّ، ثُمّ قال يزيد بديهاً:
| اسقني شربة تروّي فؤادي | ثُمّ مل فاسقِ مثلها ابن زياد |
| صاحب السرّ والأمانة عندي | ولتسديد مغنمي وجهادي |
| قاتل الخارجي أعني حسيناً | ومبيد الأعداد والحسّادِ |
وقال ابن عقيل: وممّا يدلّ على كفره وزندقته ـ فضلاً عن جواز سبّه ولعنته ـ أشعاره التي أفصح فيها بالإلحاد، وأبان عن خبث الضمير وسوء الاعتقاد، فمنها قوله في قصيدته التي أوّلها:
| عُليّة هاتي واعلني وترنمي | بذلك إنّي لا أحبّ التناجيا |
| حديث أبا سفيان قدماً سما بها | إلى أحد حتّى أقام البواكيا |
| إلا هاتِ فاسقيني على ذاك قهوة | تخيّرها العنسي كرماً شآميا |
| إذا ما نظرنا في أُمور قديمة | وجدنا حلالاً شربها متواليا |
| وإن متُ ـ يا أُم الاحيمر ـ فانكحي | ولا تأملي بعد الفراق تلاقيا |
| فإنّ الذي حُدّثت عن يوم بعثنا | أحاديث طسم تجعل القلب ساهيا |
إلى غير ذلك ممّا نقلته من ديوانه، ولهذا تطّرق إلى هذه الأُمة العار بولايته عليها، حتّى قال أبو العلاء المعرّي يشير بالشّنار إليها:
| أرى الأيّام تفعل كُلّ نكر | فما أنا في العجائب مستزيد |
| أليس قريشكم قتلت حسيناً | وكان على خلافتكم يزيد |
قلت: ولمّا لعنه جدّي أبو الفرج على المنبر ببغداد بحضرة الإمام الناصر وأكابر العلماء، قام جماعة من الجفاة من مجلسه فذهبوا، فقال جدّي: (أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) هود: ٩٥.
وحكي لي بعض أشياخنا عن ذلك اليوم أنّ جماعة سألوا جدّي عن يزيد؟
فقال: ما تقولون في رجل ولي ثلاث سنين: في السنة الأُولى قتل الحسين، وفي السنة الثانية أخاف المدينة وأباحها، وفي السنة الثالثة رمى الكعبة بالمجانيق وهدّمها وحرّمها؟
فقالوا: يلعن؟
فقال: فالعنوه " تذكرة الخواص ٢ - ٢٦٥ - ٢٨٠، وارجع لكلام ابن الجوزي - الجدّ - في كتاب الردّ على المتعصب العنيد: ١٣ - ١٧.
[٢]وفيات الأعيان ٣: ٢٨٧، فوات الوفيات ٢: ٦٤١، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي: ٣٠٢، السيرة الحلبية ١: ٣٦٧.