العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ١٦٨
وذلك بعد أن أعوزتهم الوقعة في شهيد الإباء، فلم يجدوا للغمز فيه نصيباً، فمالوا على أصحابه وأهل بيته الذين قال فيهم الإمام (عليه السلام): " إنّي لا أعلم أصحاباً خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ وأوفى من أهل بيتي "[١]، " وقد استلمتهم فما وجدت فيهم إلاّ الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنيّة دوني، استيناس الطفل إلى محالب أُمه "[٢].
وليس ذلك إلاّ من الداء الدفين بين أضالع قوم دافوا السمَّ في الدّسم، إلى سذج آخرين حسبوه حقيقة راهنة، فشوّهوا وجه التاريخ، غير أنّ البصير الناقد لا تخفى عليه نفسية القوم، ولا ما جاؤوا به.
وأعجب من ذلك قول محفر ليزيد: " إنّا أحطنا بهم، وهم يلوذون عنّا بالآكام والحفر، لواذ الحمام من الصقر "[٣].
بفيك الكثك أيّها القائل، كأنّك لم تشاهد ذلك الموقف الرهيب، فترى ما للقوم من بسالة وإقدام ومفادات دون الدين الحنيف، حتّى أغفل يومهم مع ابن المصطفى أيام صفّين وما شاكلها من حروب دامية، ووقائع هائلة، وحتّى أخذت أندية الكوفة لا تتحدّث إلاّ عن شجاعتهم.
أجل، إنّ تلك الأهوال أدهشتك، فلم تدرِ ما تقول، أو إنّ الشقّة بعدت عليك فنسيت ما كان، ولكن هل غاب عن سمعك
[١]تاريخ الطبري ٤: ٣١٧.
[٢]الدمعة الساكبة: ٣٢٥.
[٣]تاريخ الطبري ٤:٣٥١، تاريخ مدينة دمشق ١٨: ٤٤٥، الكامل في التاريخ ٤: ٨٣، الوافي بالوفيات ١٤: ١٢٧، البداية والنهاية ٨: ٢٠٨ الفتوح لابن أعثم ٥: ١٢٧.