العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ١٥٥
وبسيف صاحب هذا البيت المنيع انجلت غواشي الإلحاد، وببيانه تقشّعت غيوم الشبّه والأوهام.
إذن، فطبع الحال يدلّنا على أنّ سيّد الأوصياء لم يبغِ بابنه بدلاً في حسن التربية الإلهية، ولا أنّ شظية الخلافة يروقه غير اقتصاص أثر أبيه الأقدّس، فلك هاهنا أن تحدّث عن بقيّة أمير المؤمنين في أيّ ناحية من نواحي الفضيلة، ولا حرج.
لم تكن كُلِّ البصائر في أبي الفضل (عليه السلام) اكتسابية، بل كان مجتبلاً من طينة القدّاسة التي مزيجها النور الإلهي، حتّى تكونت في صُلّب من هو مثال الحقّ، ذلك الذي لو كشف عنه الغطاء ما ازداد يقيناً، فلم يصل أبو الفضل (عليه السلام) إلى عالم الوجود إلاّ وهو معدن الذكاء والفطنة، وأُذن واعية للمعارف الإلهية، ومادة قابلة لصور الفضائل كُلّها، فاحتضنه حجر العلم والعمل، حجر اليقين والإيمان، وعادت أرومته الطيّبة هيكلاً للتوحيد، يغذّيه أبوه بالمعرفة، فتشرق عليه أنوار الملكوت، وأسرار اللاهوت، وتهب عليه نسمات الغيب، فيستنشق منها الحقائق.
دعاه أبوه (عليه السلام) في عهد الصبا وأجلسه في حجره وقال له:
" قل واحد! فقال: واحد، فقال له: قل إثنين! قال: استحي أن أقول إثنين باللسان قلت واحداً إثنان "[١].
وإذا أمعنّا النظر في هذه الكلمة ـ وهو على عهد نعومة من أظفاره في حين أنّ نظراءه في ألسن لا يبلغون إلى ما هو دون ذلك الشأو البعيد ـ فلا نجد بدأ من البخوع بأنّها من أشعة تلك
[١]مستدرك الوسائل ١٥: ٢١٥، مقتل الحسين للخوارزمي ١: ١٧٩.