العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٢٠٦
ولو رمتَ تحليلاً لتأخّر شهادة العبّاس عن جميع الشهداء، وهو حامل تلك النفس النزاعة إلى المفادات والتهلكة دون الدين، فلا يمكنه حينئذ التأخر آناً ما، فكيف بطيلة تلك المدّة، وبمرأى منه مصارع آل اللّه، ونشيج الفواطم، وإقبال الشرّ من جميع نواحيه، واضطهاد حجّة الوقت، بما يراه من المناظر الشبحية ; والواحدة من ذلك لا تترك (لحامل اللواء) مساغاً عن أخذ التراث آناً ما.
لكن أهميّة موقفه عند أخيه السبط هو الذي أرجأ تأخيره عن الإقدام، فإنّ سيّد الشهداء يعدّ بقاءه من ذخائر الإمامة، وأنّ موتته تفتّ في العضد فيقول له: " إذا مضيتَ تفرّق عسكري "، حتّى إنّه في الساعة الأخيرة لم يأذن له إلاّ بعد أخذ وردّ.
وإنّ حديث (الإيقاد) لسيّدنا المتتبّع الحجّة السيّد محمّد علي الشاه عبد العظيم (قدس سره) يوقفنا على مرتبة تضاهي مرتبة المعصومين، ذلك لمّا حضر السجّاد (عليه السلام) لدفن الأجساد الطاهرة ترك مساغاً لبني أسد في نقل الجثث الزواكي إلى محلّها الأخير، عدى جسد الحسين وجثّة عمّه العبّاس، فتولّى وحده إنزالهما إلى مقرّهما، أو إصعادهما إلى حضيرة القدّس وقال: " إن معي من يعينني ".
أما الإمام فالأمر فيه واضح ; لأنّه لا يلي أمره إلاّ إمام مثله، ولكن الأمر الذي لا نكاد نصل إلى حقيقته وكنهه، فعله بعمّه الصدّيق الشهيد مثل ما فعل بأبيه الوصيّ، وليس ذلك إلاّ لأنّ ذلك الهيكل المطهّر لا يمسّه إلاّ ذوات طاهرة، في ساعة هي أقرب حالاته إلى المولى سبحانه، ولا يدنو منه مَن ليس من أهل ذلك المحلّ الأرفع.