العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٣٩
| وصيّت من كنيّته بطالّب | عبدَ مناف وهو ذو تجارّب |
| بابنِ الحبيّبِ أكرمِ الأقارّب | بابن الّذي قَدْ غابَ غيرَ آئب |
فقال أبو طالب:
| لا تُوصني بلازم وواجب | إنّي سمعتُ أعجبَ العجائبِ |
| من كُلّ حبر عالم وكاتب | بأنّ بحمّد اللّه قول الراهبِ[١] |
فقال عبد المطلب: " أُنظر يا أبا طالب أن تكون حافظاً لهذا الوحيد الّذي لم يَشمّ رائحة أبيّه، ولم يذق شفقة أُمّه، أُنظر أن يكون من جسّدك بمنزِّلة كبدك، فإنّي قد تركت بنيّ كُلّهم وخصصتك به، لأنّك من أُمّ أبيّه، وأعلم فإنّ استطعت أن تتبعه فافعل، وانصره بلسانك ويدك ومالك، فإنّه واللّه سيسودكم ويملك ما لا يملك أحد من آبائي، هل قبلت وصيّتي "؟
قال: " نعم، قد قبلتُ، واللّه على ذلكِ شاهد ".
فقال عبد المطلب: " الآن خفف عليَّ الموت "، ولم يزل يقبله ويقول: " اشهد أنّي لم أر أحداً في ولدي أطيب ريحاً منك ولا أحسن وجهاً "[٢].
وفرح أبو طالب بهذه الحظوة من أبيه العطوف، وراح يدّخر لنفسه السعادة الخالدة بكفالة نبيّ الرحمّة، فقام بأمره، وحماه في صغره بماله وجاهه من اليهود والعرّب وقريش، وكان يؤثره على أهلّه ونفسه، وكيف لا يؤثره وهو يشاهد من ابن أخيّه ولمّا يبلغ التاسعة من عمره هيكل القدس يملأ الدست هيبةً ورجاحة، أكثر ضحكه الابتسام، ويأنس بالوحدة أكثر من الاجتماع.
[١]مناقب آل أبي طالب ١: ٣٤، بحار الأنوار ٣٥: ٨٥، الدر النظيم: ٢١١.
[٢]كمال الدين وتمام النعمة: ١٧٢، وعنه المجلسي في بحار الأنوار ١٥: ١٤٣.