العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ١٥٧
وإذا كان الإمام (عليه السلام) يُربّي البعداء الأجانب بتلك التربية الصحيحة المأثورة، حتّى استفادوا منه آسار التكوين، ووقفوا على غامض ما في النشأتين، وكان عندهم بواسطة تلك التربية علم المنايا والبلايا، كحبيب بن مظاهر، وميثم التمّار، ورشيد الهجري، وكميل بن زياد، وأمثالهم ; فهل من المعقول أن يذر قرّة عينّه، وفلذة كبده خلواً من أي علم؟!
أو أن قابلية المحلّ تربى بأولئك الأفراد دون سيّدنا العبّاس (عليه السلام)؟
لا واللّه، ما كان سيّد الأوصياء يضنّ بشيء من علومه، لا سيّما على قطعة فؤاده، ولا أنّ غيره ممّن انضوى إلى أبيه علم الهداية يشقّ له غباراً في القابلية والاستعداد.
فهنالك التقى مبدأ فيّاض، ومحلّ قابل للإفاضة، وقد ارتفعت عامّة الموانع، فذلك برهان على أنّ " عباس اليقين " من أوعيّة العلم، ومن الراسخّين فيه.
ثُمَّ هلمّ معي إلى جامعتين للعلوم الإلهية، ملازمتين للجامعة الأُولى في نشر المعارف، وتقيضهما لإفاضة التعاليم الحقّة لكُلِّ تلميذ، والرقي به إلى أوج العظمة في العلم والعمل، ألا وهما " كليّتا " السبطين الحسن والحسين (عليهما السلام). وانظر إلى ملازمته لأخويه بعد أبيه سيّد الأوصياء، ملازمة الظلّ لديه، فهناك يتجلّى لكَ أنّ سماء علمهما لم تهطل وبالاً إلاّ وعاد لؤلؤاً رطباً في نفسه، ولا أنفقا شيئاً من ذلك الكنز الخالد إلاّ واتخذه ثروة علميّة لا تنفد.