العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٣٢٧
والمساجد بمقتضى تشريعها مكشوفة، والسقف الموجودة فيها حادثة، لقصد أن يأوي إليها الوفود من المرامي السحيقة الذين لا مأوى لهم، لتكنّهم من قائض الحرّ وقارص البرد، فلا يناسب إطلاق البيت عليها ; لأنّه عبارة عن المحلّ المسقوف، ولا يطلق على غير المسقوف، ولذلك تجد إطلاق بيوت الأعراب على أخبيتهم دون الصحاري التي يسكنونها، ومن ذلك أطلق البيت على الكعبة لكونها مسقوفة.
وكما لا يراد من تلك البيوت ـ التي يجب أن ترفع ويذكر فيها اسمه ـ المساجد، لا يراد منها خصوص الكعبة المشرّفة ; لأنّ لفظ البيوت في الآية جمع، وحينئذ فمن المتعيّن أن يراد منها بيوتات تكون مستوى لذكر اللّه والدعوة إلية، إمّا بألسنة ساكنيها أو بأعمالهم وجهادهم، فتكون تلك البيوت منبثق أنوار اللّه.
وإذا فتشنا بيوت العالم فلا نجد ما هو أولى بصدق هذه البيوت عليهم، إلاّ بيوت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذين أنفذوا طاقاتهم في رفع كَلمة اللّه العليا، وتوحيده، والذكير بوعده ووعيده، فكانت مقصورة على ذلك دعوتهم، منحصراً به هتافهم، حتّى أثبتوه على جبهة الدهر، وكتبوا بدمائهم الزاكية على صحيفة الزمان، مع ما لهم من الدؤوب على العبادة والتلاوة في آناء الليل وأطراف النهار، وأُناس بهم أُسوة حسنة.
وليس من الرأي السديد قصرها على بيوتهم التي يسكنونها أيام حياتهم، بل تعمّها ومشاهدهم المقدّسة، فإنّهم { أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }[١]، وإذا ثبت في الشهداء ـ وهم دونهم بمراتب ـ أنّهم
[١]آل عمران: ١٦٩.