العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ١٥٠
ولا ينسى يوم صفين وقد شاهد من عدوه ما تندى منه جبهة كُلِّ غيور، فإنّ معاوية لمّا نزل بجيشه على الفرات منع أهل العراق من الماء، حتّى كضهم الضمأ، فأنفذ إليه أمير المؤمنين صعصعة بن صوحان وشبث بن ربعي، يسألانه أن لا يمنع الماء الذي أباحه اللّه تعالى لجميع المخلوقات، وكُلّهم فيه شرع سواء، فأبى معاوية إلاّ التردي في الغواية والجهل، فعندها قال أمير المؤمنين: " ارووا السيوف من الدماء ترووا من الماء "[١]، ثُمّ أمر أصحابه أن يحملوا على أهل الشام حملة واحدة، فحمل الأشتر والأشعث في سبعة عشر ألفاً والأشتر يقول:
| مِيعَادُنَا اليَومَ بَياضُ الصُبْحِ | هَل يَصلُحُ الزَادُ بغَيرِ مِلحِ؟ |
والأشعث يقول:
| لأورِدنّ خَيلِي الفُرَاتَا | شِعثَ النَواصِي أو يُقَالَ مَاتَا |
فلمّا أجلوهم أهل العراق عن الفرات ونزلوا عليه وملكوه، أبى صاحب النفسية المقدّسة التي لا تعدوها أي مأثرة، أن يسير على نهج عدوه، حتّى أباح الماء لأعدائه، ونادى بذلك في أصحابه[٢]، ولم يدعه كرم النفس أن يرتكب ما هو من سياسة الحرب من التضييق على العدوّ بأيّ صورة.
هذه جملة من موارد السقاية الصادرة من شرفاء سادة، متبوّئين على منصّات المجد والخطر، متكئين على أرائك العزّ
[١]مناقب آل أبي طالب ٢: ٣٥١.
[٢]المعيار والموازنة للاسكافي: ١٤٦، الفتوح لابن أعثم الكوفي ٣: ٥.