العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٢٧٧
ولا غرابة بعد أن كان سيّد الشهداء دعامة من دعائم الدّين، ومنار هداه، وعنه يأخذ تعاليمه، ومنه يتلقّى معارفه، وهو صراطه المستقيم، ومنهجه القويم، دونه كانت مفاداته، وفي سبيله سبقت تضحيته، فهو حليف القرآن منذ أُنشئ كيانه، لأنّهما ثقلا رسول اللّه، وخليفتاه على أُمته، وقد نصّ المشرّع الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض، فبذلك كان سلام اللّه عليه غير مبارح تلاوته طول حياته، في تهذيبه وإرشاده، في دعوته وتبليغه، في حلّه ومرتحله حتّى في موقفه يوم الطفّ، ذلك المأزق الحرج، بين ظهراني أُولئك الطغاة المتجمهرين عليه، ليتمّ عليهم الحجّة، ويوضح لهم المحجّة.
هكذا كان يسير إلى غايته المقدّسة سيراً حثيثاً، حتّى طفق يتلو القرآن رأسه الكريم، فوق عامل السنان، عسى أن يحصل من يكهربه نور الحقّ، غير أنّ داعية الحقّ والرشاد لم يصادف إلا قصراً في الإدراك، وطبعاً في القلوب، وصمماً في الآذان: { خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ }[١].
وبلغ من غلواء ابن زياد وتيهه في الضلال أن أمر بالرأس الشريف فطيف به في شوارع الكوفة وسككها[٢].
يقول زيد بن أرقم: " كنت في غرفة لي، فمروا بالرأس على رمح، فسمعته يقرأ:{ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً }[٣]، فوقف شعري، وقلت: رأسك أعجب و أعجب "[٤].
[١]البقرة: ٧.
[٢]تاريخ الطبري ٤: ٣٤٨.
[٣]الكهف: ٩.
[٤]الإرشاد للشيخ المفيد ٢: ١١٧، إعلام الورى بأعلام الهدى للطبري: ٤٧٣، الدر النظيم: ٥٦١.