العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٢٨٣
ورأت في منامها كأنّ رجالاً نزلوا من السماء وطافوا برأس الحسين يسلّمون عليه، ولّما انتبهت جاءت إلى الرأس، فأبصرت نوراً حوله، فطلبت يزيد لتقصّ عليه الرؤيا، فإذا هو في بعض الغرف يبكي ويقول: مالي ولحسين. وقد رأى مثل ما رأت[١]، فأصبح يزيد ومِلُْ إذنه حديث الأندية عن القسوة التي استعملها والجور الشديد، فلم يرَ مناصاً من إلقاء التبعة على عاتق ابن زياد وتبعيداً للسبّة عنه، ولكنّ الثابت لا يزال، وهذا هو السرّ في إنشاء كتاب صغير وصفه المؤرّخون بأنّه مثل (إذن الفأرة)، أرفقه بكتابه الكبير إلى الوالي بأخذ البيعة من المدينة عامّة، وفي الكتاب الصغير إلزام الحسين (عليه السلام) بالبيعة وإن أبى تضرب عنقه[٢].
وليس الغرض من إنشاء الكتاب الصغير إلا أنّ يزيد لمّا كان عالماً بأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يجعله خليفة، ولا كانت بيعته ممّا اتفق عليها صلحاء الوقت وأشراف الأُمّة، وما صدر من الموافقة منهم يوم أرادها أبوه معاوية إنّما هو للوعيد والتهديد، فأراد يزيد أن يخلي رسمياته عن الأمر بقتل الحسين (عليه السلام) بحيث لو صدر ذلك من عامله ولامه الناس وخطّأوه، تدرّع بالعذر بخلوّ كتابه للعامل بهذا الفعل، وإنّما هو شي جاء به من قبل نفسه، وكان له المجال حينئذ في إلقاء التبعة على العامل.
ولكن هلمّ واقرأ العجيب الغريب في إحياء العلوم ج٣ ص١٠٦ في الآفة الثامنة من آفات اللسان، فهناك ترى الغزالي تائهاً
[١]بحار الأنوار ٤٠: ٨٠.
[٢]تاريخ الطبري ٤: ٢٥٠، الكامل في التاريخ ٤: ١٤، البداية والنهاية ٨: ١٥٧.