العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٤٦
فإنّه لو كان غرضه تعريف المأسور لكان في تعريف عقيل بأنّه ابن عمّ النّبي كفاية، كما اكتفى في تعريف العبّاس بأنّه عَمُّ النّبي، ولم يحتج أن يكتب بين قوسين (أخو علي)، وأنت تعرف المراد من ذكر هذه الكلمة بين قوسين، وإلى أيّ شيء يرمز بها الكاتب، ولكن فاته الغرض وهيهات الذي أراد ففشل.
ثُمّ جاء فريق آخر من المؤرّخين يحسبون حصر المصادر في ذوي الأغراض المستهدفة، وأنّ ما جاءوا به حقائق راهنة، فاقتصر على مرويّاتهم ممّا دبّ ودرّج، وفيها الخرافات وما أوحته إليهم الأهواء والنوايا السيئة، ومن هنا أُهملت حقائق ورويت أباطيل.
فعزوا إلى أبي طالب قوله: " إنّي لا أحبّ أن تعلوني أستي "![١]
[١]مسند أحمد ١: ٩٩، مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ١٠٢ وقال: " رواه أحمد وأبو يعلى باختصار، والبزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن "، مسند أبي داود الطيالسي: ٢٦، السيرة الحلبية ١: ٤٣٦.
والجدير بالذكر أنّ الحديث ورد عن طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن حبّة العرني، عن علي وعليه فالكلام يقع في مقامين:
الأوّل: في سند الحديث والثاني: في متن الحديث.
أمّا سند الحديث فلا يحتاج إلى كثير مؤونة ; لأنّ يحيى بن سلمة بن كهيل ضعيف، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٤: ٣٨١/٩٥٢٧: " يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه:
قال أبو حاتم وغيره: منكر الحديث.
وقال النسائي: متروك.
وقال عباس عن يحيى: ليس بشيء، لا يكتب حديثه.
وقال محمّد بن إبراهيم بن أبي العنس: أخبرني يحيى بن سلمة قال: كان سفيان الثوري يجيء إلى أبي وهو غلام عليه أقبية يسمع منه، فكان أبي يعيّرني به ويقول: أُنظر إلى هذا الغلام يجيء من بني ثور رغبة في الحديث، وأنت هاهنا لا ترغب فيه... ".
وارجع إلى غيره تجد ترجمته كما ذكرنا.
وأمّا الناحية الثانية المتعلقة بمتن الحديث، فنقول: إنّ صاحب السيرة الحلبية ١: ٤٣٦ قال بعد أن ذكر الحديث: " وهذا ـ كما لا يخفى ـ ينبغي أن يكون صدر منه قبل ما تقدّم من قوله لابنه جعفر: صل جناح ابن عمك، وصل على يساره، لما رأى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي وعلي على يمينه.. ".
فاذن لا بدّ من تخطّي هذا الأمر وإثبات أنّ هذا القول صدر بعد ما أوصى جعفر بالصلاة مع النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنى له إثبات ذلك، مع ما عرفته من حال السند.
أضف إلى ذلك أنّه قال: " وذكر أنّ أبا طالب قال لعلي: أي بني ما هذا الذي أنت عليه؟
فقال: يا أبتِ آمنت باللّه ورسوله، وصدّقت ما جاء به، ودخلت معه واتبعته! فقال: إما إنّه لم يدعك إلاّ إلى خير فالزمه ".
وعليه فيكون الحديث المتقدّم باطلاً ; لأنّ المعروف خلافه.
يضاف إلى ذلك تناقض آخر ; إذ ذكروا أنّ أبا طالب مات مشركاً، لا لأجل هذه المقوله: " إنّي لا أحبّ أن تعلوني أُستي "، بل لأجل ما ذكروا من قول أبي طالب: " إنّي لا أعلم أنّ ما يقوله ابن أخي لحقّ، ولولا أنّي أخاف أن تعيّرني نساء قريش لاتبعته ".
فيكون عدم الاتباع لأجل هذا، لا ما تقدّم.
فاذن الحديث ضعيف سنداً، ومن الجهة الأخرى فيه مشاكل مقنية تأبى قبوله أو التصديق به، فيكون من مختلقات العثمانيين.