العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٥٣
وهل ترى أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يومئذ يجد في شريعته عدم الجدوى بإسلام مثل علي (عليه السلام) لصغره، إلاّ أنّه حاباه، كلاّ وحاشا...!
وإنّما قابله بكلّ ترحيب، وخوّله ما لا يخوّل أحداً صحة إسلامه عنده، بحيث كان على أساس رصين، فاتخذه ردءاً، كمن اعتنق الدين عن قلب شاعر، ولبّ راجح، وعقلية ناضجة يغتنم بذلك محاماته ومرضاة أبيه في المستقبل:
وإذا أكبرنا النّبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كلّ مداهنة ومصانعة، فلا نجد مسرحاً في المقام لأيّ مقال إلاّ أن نقول: إنّ إسلام علي (عليه السلام)كان عن بصيرة وثبات مقبول عند اللّه ورسوله وكان ممدوحاً منهما عليه.
كما تمدّح بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) غير مرّة وهو أعرف الأُمّة بتعاليم الدّين بعد النّبي الكريم فقال: " أنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي الاّ كاذب مفتر، صلّيت مع رسول اللّه قبل الناس بسبع سنين "[١].
[١]سنن ابن ماجه ١: ٤٤، وقال محقق السنن الشيخ محمّد عبد الباقي: " في الزوائد: إسناده صحيح. رواه الحاكم في المستدرك عن المنهال، وقال: صحيح على شرط الشيخين "، المستدرك للحاكم ٣: ١١٢، المصنف لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٨، كتاب السنة لابن أبي عاصم: ٥٨٤، السنن الكبرى للنسائي خصائص أمير المؤمنين للنسائي: ٤٦، تفسير الثعلبي ٥: ٨٥.
ومن يقول بأن علياً أسلم صغيراً؟!
نرد عليه فنقول: قد رووا كما في صحيح مسلم ١: ١٣٣، وفتح الباري ١٠: ٣٥٤ أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما نزلت عليه (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) دعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قريشاً وقال: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار..
يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإنّي لا أملك لكم من اللّه شيئاً.. " مع أن فاطمة سلام اللّه عليها كانت صغيرة، إذ هذه الآية في بدء الدعوة العلنية، وفاطمة سلام اللّه عليها لا يتجاوز عمرها ثمان سنين، ومع ذلك دعاها النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الإسلام وهي لم تكلف بعد، وتصحيح دعوتها بإعتبار كونها مميزة تفهم فلذلك خاطبها، فكذلك علي بن أبي طالب فاسلم وهو يعرف ما يقول فلذلك يصح إسلامه ويكون أوّل المسلمين، وإلاّ أن رفض ذلك، فيلزم سقوط رواية الصحاح حول فاطمة سلام اللّه عليها، إذ كيف يقبل مخاطبتها ودعوتها إلى الإسلام وهي صغيرة، ولا يقبل إسلام علي ابن أبي طالب لكونه صغيراً، فإنّ ذلك قسمة ضيزى.
ومن هذا تندفع جميع الإشكالات الموجودة على صغر إسلام علي بن أبي طالب (عليه السلام).