العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٢٤٩
ولعمري إنّ حديث كربلاء لم يبق لسابق في الشجاعة سبقاً ولا للاحق طريقاً إلاّ الالتحاق به، فلقد استملينا أخبار الشجعان في الحروب والمغازي يوم شأوا الأقران في الفروسيّة، فلم يعدهم في الغالب الاستظهار بالعدد، وتوفّر العتاد وتهيء ممدّات الحياة من المطعم والمشرب، وفي المغالب أنّ الكفاية بين الجيشين المتقابلين موجودة.
يسترسل المؤرّخون لذكر شجعان الجاهلية والحالة كما وصفناها، واهتزوا طرباً لقصة ربيعة بن مكدم، وهي: أنّ ربيعة بن مكدم بن عامر بن حرثان من بني مالك بن كنانة كان أحد فرسان مضر المعدودين، خرج بالضعينة وفيها أُمه أُم سنان من بني أشجع بن عامر بن ليس بن بكر بن كنانة، وأُخته أُم عزة، وأخوه أبو القرعة، ورأى الظعينه دريد بن الصمّة فقال لرجل معه: صح بالرجل أن خَلّ الظعينة وانج بنفسك، وهو لا يعرفه، فلمّا رأى ربيعة أنّ الرجل قد ألحّ عليه ألقى زمام الناقة وحمل على الرجل فصرعه، فبعث دريد آخر فصرعه ربيعة، فبعث الثالث ليعلم خبر الأولين فقتله ربيعة وقد انكسر رمحه، فلمّا وافاه دريد ورأى الثلاثة صرعى ورمحه مكسوراً قال له: يا فتى مثلك لا يقتل، وهؤلاء يثأرون، ولا رمح لك، ولكن خذ رمحي وانج بنفسك والظعينة، ثُمّ دفع إليه رمحه ورجع دريد إلى القوم وأعلمهم أنّ الرجل قتل الثلاثة وغلبه على رمحه، وقد منع بالظعينة، فلا طمع لكم فيه[١].
هذا الذي حفظته السيرة مأثرة لربيعة بن مكدم بتهالكه دون الضعائن حتّى انكسر رمحه، ولكن أين هو من (حامى الظعينة) يوم
[١]الأغاني لأبي فرج الأصفهاني ١٦: ٣١٢.