العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ١٤١
بالمبدأ الأعلى، فلو فقد الإنسان تلك الملاءمة دحره عن حضيرة القدّاسة انقطاع النسبة، وبعد المرمى، وشسوع المسافة.
ولا نعني بهذه المرتبة أن يكون العبد مواظباً على العبادات البسيطة المسقطة للخطاب والرافعة للتعزير فحسب، وإنّما نقصد منه ما إذا عبد اللّه سبحانه حقّ عبادته، الناشئة عن فقه وبصيرة ومعرفة بالمعبود الذي يجب أن يعبد، من دون لحاظ مثوبة أو عقوبة، حتّى يكون المولى هو الذي يسمّيه عبداً له، ويصافقه على تصديق دعواه بالعبودية له.
وما أسعد العبد حيث يبصر ما بيده من سلك الطاعة، ويعرف أنّ مولاه قابض على طرفه الآخر، تزلفه إليه جاذبة الصلة، وأشعة القرب.
وعلى ما قلناه كانت هذه المرتبة عند الأنبياء (عليهم السلام) أرقى مراتبهم، وأرفع منصاتهم ; لأنّ طرف عبوديتهم أمنع وأشرف من طرف رسالتهم، فالطرف الأعلى في العبودية " مبدأ الحقّ سُبحانه وتعالى "، والطرف الأسفل منته إلى شخص النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا النبوة فمبدؤها الرسول ومنتهاها الأُمة[١].
ولولا أنّ هذه الصفة أسمى الصفات التي يتصف بها العبد لما خصّ اللّه تعالى أنبياءه، بها فقال سبحانه: { وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْب مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَة مِّن مِّثْلِهِ }[٢].
[١]لكن حقيقة الرسالة راجعة إلى العبودية وداخلة في ضمنها، فهي منه وبه وإليه.
نعم، مانعية الرسالة من جهة اشتغال الرسول بتبليغ الرسالة والدخول في عالم الكثرة، وهذا فيه نوع حجب على النور الصافي فيما لو انقطع مع اللّه، ولكنّه بالتالي عبادة أقلّ من غيرها، فتدبّر.
[٢]البقرة: ٢٣.