العبّاس (عليه السلام) - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ١١٤
وليس معها من حماتها حميّ، ولا من رجالها وليّ غير الإمام المضني، الذي أنهكته العلل، ونسوة في الأسر، مكتنفة بها، بين شاكية وباكية، وطفل كظّه العطش، إلى أُخرى أقلقها الوجل.
وأمامها الجيش الفاتح الجذر، بسكرة الظفر، وبشر الشماتة، ودعة السلام، والفرح بالغنيمة، ومخيم آل بيت اللّه طنّبت عليه الكوارث والمحن، فقد الحماة، والخوف من الأعدا، والأوام المبرح، ونحيب ونشيج، وشراخ وعولة.
والعقيلة في كُلّ هذه الأحوال هي المُهدّئة لفورتهن، والمُسّكنة لروعتهنّ، فلم يشاهد منها عزم خائر، ولا جأش مائر، ولا صرخة عالية، ولا ذهول عن أمر الحرم.
كيف وهي بقية أمير المؤمنين، ونائبة الحسين على تلكم الأحوال، والناهضة الكريمة إلى مغزى أخيها، والمتمّمة لقصده الراقي وأمره الرشيد.
نعم، أهمها من بين ذلك شيء رأته ; نظرت إلى ابن أخيها السجّاد يجود بنفسه حينما شاهد تلك الجثث الزواكي تصهرها الشمس، فعظم عليها أمر الإمام، فأخذت تصبّره وتسلّيه، وهو الذي لا توازن بصبره الجبال، وفيما قالت له:
" مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدّي وأبي وإخوتي؟
فقلت: وكيف لا أجزع ولا أهلع وقد أرى سيّدي وإخوتي وعمومتي وولد عمّي وأهلي مصرّعين بدمائهم، مرمّلين بالعراء، مسلّبين لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر.