حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٥٢ - فائدة أخرى
للشاب: انزلني عن الحمار حتى أصعد على الجبل، فلما تقدم الشاب إليها ألقت بنفسها إلى الأرض، فانكشفت عورتها فشتمت الشاب، فقال: و اللّه ما لي ذنب، ثم مدت يدها إلى الجبل فأمسكته و حلفت له أنه لم يمسسها أحد، و لا نظر إنسان مثل نظرك إلي، مذ عرفتك، غيرك و غير هذا المكاري. فاضطرب الجبل اضطرابا شديدا و زال عن مكانه، و أنكرت بنو إسرائيل ذلك.
فذلك قوله تعالى: وَ إِنْ كََانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبََالُ [١] و يقرب من هذا ما روي عن وهب بن منبه أنه كان في زمن بني إسرائيل في زمن عيسى عليه الصلاة و السلام، رجل اسمه شمشون، و كان من أهل قرية من قرى الروم، كان قد هداه اللّه لرشده و صار من الحواريين، و كان أهله أصحاب أوثان يعبدونها و كان منزله من القرية على أميال، و كان يغزوهم وحده، و يجاهدهم في اللّه حق جهاده فيقتل و يسبي و يصيب المال، و كان ربما لقيهم بغير زاد فإذا قاتلهم و عطش انفجر له من الحجر الذي في القرية ماء فيشرب منه حتى يروى، و كان قد أعطي قوة في البطش و كان لا يوثقه حديد و لا غيره، و كانوا لا يقدرون منه على شيء، فتآمروا فيه فقال بعضهم لبعض: إنكم لن تقدروا على أذاه إلا من قبل زوجته، فدخلوا عليها و جعلوا لها جعلا إن أوثقته، فقالت: نعم أنا أوثقه لكم، فأعطوها حبلا وثيقا و قالوا لها: إذا نام فأوثقي يديه إلى عنقه ثم ذهبوا فجاء شمشون و نام، فقامت إليه فأوثقته كتافا فجعلت يديه إلى عنقه، فلما هب من نومه، جذب يديه فوقع الحبل من عنقه، فقال لها لم فعلت هذا؟قالت لأجرب قوتك ما رأيت مثلك قط. ثم أرسلت إليهم إني قد ربطته بالحبل فلم يغن شيئا فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، و قالوا لها إذا نام فاجعليها في عنقه، فلما نام جعلتها في عنقه، فلما هب من نومه جذبها فتقطعت، فقال لها: لم فعلت هذا؟قالت لأجرب قوتك ما رأيت مثلك في الدنيا يا شمشون!أ ما في الأرض شيء يغلبك؟قال: اللّه عزّ و جلّ يغلبني. ثم شيء واحد. قالت: ما هو؟قال: ما أنا بمخبرك به.
فلم تزل تخدعه و تمكر به و تتلطف له في السؤال، و كان ذا شعر كثير جدا فقال: ويحك إن أمي كانت جعلتني نذيرا فلا يغلبني شيء أبدا و لا يوثقني إلا شعري. فتركته حتى نام، ثم قامت إليه فأوثقت يديه إلى عنقه بشعره فأوثقه ذلك. و بعثت إلى القوم فجاءوا و أخذوه فجدعوا أنفه، و فقئوا عينيه و أوقفوه للناس، بين ظهراني المدينة، و كانت المدينة ذات أساطين، و أشرف الملك لينظر ما ذا يفعل به، فدعا اللّه شمشون، حين مثلوا به و أوقفوه، أن يسلطه عليهم، فرد اللّه عليه بصره، و ما أصابوا من جسده، و أمره أن يأخذ بعمود من عمد المدينة الذي عليه الملك و الناس ففعل، فوقعت المدينة و هلك من فيها و أرسل اللّه على زوجته صاعقة فأحرقتها، و نجى اللّه تعالى شمشون بمنه و فضله انتهى. و حكاياتهن في المكر و الكيد لا تحصى و حسبك أن اللّه تعالى استضعف كيد الشيطان فقال: إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطََانِ كََانَ ضَعِيفاً [٢] و استعظم كيد النساء فقال: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [٣] .
و في كتاب نزهة الأبصار في أخبار ملوك الأمصار، و هو كتاب عظيم المقدار، و لا أعلم مصنفه أن بعض الملوك، مر بغلام و هو يسوق حمارا غير منبعث، و قد عنف عليه في السوق، فقال: يا غلام ارفق به فقال الغلام: أيها الملك في الرفق به مضرة عليه، قال: و كيف ذلك؟قال:
[١] سورة إبراهيم: الآية ٤٦.
[٢] سورة النساء: الآية ٧٦.
[٣] سورة يوسف: الآية ٢٨.