حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٧٧ - و حكمه
ثلاثة أوحش ما في الورى # يا ليت شعري أيها أوحش [١]
البرغن:
بفتح الباء و الغين المعجمة و ضمهما ولد البقرة الوحشية.
البرغوث:
بالثاء المثلثة واحد البراغيث. و ضم بائه أشهر من كسرها و قولهم: أكلوني البراغيث لغة طيئ، و هي لغة ثابتة خرجوا عليها قوله [٢] تعالى: وَ أَسَرُّوا اَلنَّجْوَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا على أحد المذاهب و قوله [٣] عز و جل خُشَّعاً أَبْصََارُهُمْ و مثل: يتعاقبون فيكم ملائكة، و قوله في صحيح مسلم و غيره: «حتى احمرتا عيناه» و اشباهه كثيرة معروفة. و قال سيبويه:
لغة أكلوني البراغيث ليست في القرآن قال و الضمير في و أسروا النجوى فاعل و الذين بدل منه.
و كنية البرغوث أبو طامر و أبو عدي و أبو الوثاب، و يقال له طامر بن طامر. و هو من الحيوان الذي له الوثب الشديد و من لطف اللّه تعالى به، أنه يثب إلى ورائه ليرى من يصيده، لأنه لو وثب إلى أمامه، لكان ذلك أسرع إلى حمامه. و حكى الجاحظ [٤] عن يحيى [٥] البرمكي، أن البرغوث من الخلق الذي يعرض له الطيران، كما يعرض للنمل. و هو يطيل السفاد، و يبيض و يفرخ بعد أن يتولد، و هو ينشأ أولا من التراب، لا سيما في الأماكن المظلمة، و سلطانه في أواخر فصل الشتاء و أول فصل الربيع، و هو أحدب نزاء. و يقال: إنه على صورة الفيل له أنياب يعض بها و خرطوم يمص به.
و حكمه:
تحريم الأكل و استحباب قتله للحلال و المحرم، و لا يسب لما روى الإمام أحمد و البزار و البخاري في الأدب و الطبراني في الدعوات عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سمع رجلا يسب برغوثا. فقال: لا تسبه فإنه أيقظ نبيا لصلاة الفجر.
و في معجم الطبراني عن أنس رضي اللّه تعالى عنه. قال: ذكرت البراغيث عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: «إنها توقظ للصلاة أي لصلاة الفجر» . و فيه عن علي رضي اللّه تعالى عنه قال: نزلنا منزلا فآذتنا البراغيث فسببناها فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ «لا تسبوها فنعمت الدابة فإنها أيقظتكم لذكر اللّه تعالى» .
و يعفى عن قليل دمها في الثوب و البدن لعموم البلوى به و عسر الاحتراز. و قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على التجاوز و العفو عن دم البراغيث، ما لم يتفاحش. قال أصحابنا: و لا خلاف في العفو عن قليله إلا إذا حصل بفعله كما إذا قتله في ثوبه أو بدنه ففي العفو عنه وجهان:
أصحهما العفو أيضا. و كذلك كل ما ليس له نفس سائلة كالبق و البعوض و شبههما. و سئل شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام عن ثوب فيه دم البراغيث هل يجوز للإنسان أن يلبسه رطبا ثم يصلي فيه؟و إذا عرق فيه هل يصلي فيه؟و هل يتنجس بذلك بدنه أو يعفي عنه؟و هل يندب له غسله قبل وقته المعتاد؟فأجاب نعم ينجس الثوب و البدن بذلك و لا يؤمر بغسله إلا في الأوقات المعتادة و غسله في غير ذلك ورع خارج عما كان السلف عليه. و كانوا أحرص على حفظ أديانهم من غيرهم. و أما الكثير من دم البراغيث فالأصح عند المحققين، كما قاله النووي، العفو عنه مطلقا
[١] في الوفيات «... لست أدري أيها... » .
[٢] سورة الأنبياء: الآية ٣.
[٣] سورة القمر: الآية ٧.
[٤] الأديب الكبير عمرو بن بحر بن محبوب أبو عثمان المتوفى سنة ٢٥٥ هـ-.
[٥] البرمكي: يحيى بن خالد، وزير هارون الرشيد، أبو الفضل، و كان من العقلاء البلغاء. مات في سجنه سنة ١٩٠ هـ- بعد نكبة البرامكة.