حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٧ - الأسد
ما زلت أسعى بجهدي في دمارهم # و القوم في غفلة بالشأم قد رقدوا
حتى ضربتهمو بالسيف فانتبهوا # من نومة لم ينمها قبلهم أحد
و من رعى غنما في أرض مسبعة # و نام عنها تولى رعيها الأسد
قال [١] ابن خلكان في ترجمته: و كان أبو العباس السفاح شديد التعظيم لأبي مسلم، لما صنعه و دبره، فلما مات السفاح و ولي أخوه المنصور، صدرت من أبي مسلم أشياء أوغرت صدر المنصور عليه و هم بقتله، و بقي حائرا بين الاستبداد برأيه في أمره، و الاستشارة، فقال يوما لمسلم بن قتيبة: ما ترى في أمر أبي مسلم؟فقال: يا أمير المؤمنين: لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا [٢] فقال: حسبك يا ابن قتيبة لقد أودعتها أذنا واعية و لم يزل المنصور يخدعه حتى أحضره إليه، و المنصور بالمدائن فأمر بإدخاله عليه، و كان المنصور قد رتب جماعة لقتله، و قال لهم: إذا رأيتموني قد مسحت بيدي وجهي فاضربوه، فلما أدخل عليه، أخذ المنصور يقرعه بما صدر منه ثم مسح وجهه، فبادروه فصاح استبقني لأعدائك يا أمير المؤمنين، فقال له المنصور و أي عدو أعدى منك يا عدو اللّه فلما قتل هاج أصحابه، فأمر المنصور بنثر الدراهم و الدنانير عليهم فسكنوا!و رمى برأسه إليهم، ثم أدرج في بساط فدخل على المنصور جعفر بن حنظلة، فرأى أبا مسلم في البساط، فقال: يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك فأنشد المنصور متمثلا:
فألقت عصاها و استقرّ بها النّوى # كما قر عينا بالإياب المسافر [٣]
ثم أقبل المنصور على من حضره و أبو مسلم طريح بين يديه و أنشد:
زعمت أن الدين لا يقتضي # فاستوف بالكيل أبا مجرم [٤]
اشرب بكأس كنت تسقي بها # أمر في الحلق من العلقم
و كان يقال له أبو مجرم أيضا و فيه يقول أبو دلامة [٥] :
أبا مجرم ما غيّر اللّه نعمة # على عبده حتى يغيرها العبد
أ في دولة المنصور حاولت غدره # ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد
أبا مجرم خوفتني القتل فانتحي # عليك بما خوفتني الأسد الورد
و لما قتله المنصور، خطب الناس فذكر أن أبا مسلم أحسن أولا و أساء آخر. ثم قال في آخر خطبته: و ما أحسن ما قال النابغة الذبياني [٦] للنعمان بن المنذر [٧] :
[١] وفيات الأعيان: ٣/١٥٢.
[٢] سورة الانبياء: الآية ٢٢.
[٣] وفيات الأعيان: ١/٢٣٤ و ٣/١٥٤.
[٤] وفيات الأعيان: ٣/١٥٤.
[٥] أبو دلامة هو زند بن الجون الأسدي بالولاء شاعر مطبوع ظريف له: أخبار مع الخلفاء العباسيين. مات سنة ١٦١. الأعلام: ٣/٤٩. و الأبيات مع ترجمته في الشعر و الشعراء ٥٢٤. و فيها: «أ في دولة المهدي... » .
[٦] شاعر جاهلي من أصحاب المعلقات، اسمه زياد بن معاوية بن ضباب. توفي سنة ١٨ ق. هـ.
[٧] هو النعمان الثالث ابن المنذر بن امرئ القيس اللخمي أبو قابوس من أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية. توفي سنة ١٥ ق. هـ.