حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٤٦ - التيس
قعقع به نفرت الإبل منه فضرب ذلك مثلا لنفسه، قال النابغة الذبياني [١] :
كأنك من جمال بني أقيش # يقعقع بين رجليه بشن
و قوله: و لقد فررت عن ذكاء يعني عن تمام سن. و الذكاء على ضربين: أحدهما تمام السن و الآخر حدّة القلب، فما جاء في تمام السن قول قيس [٢] بن زهير العبسي جرى المذكيات غلاب و قول زهير [٣] :
يفضله إذا اجتهدا عليه # تمام السن منه و الذكاء
و قوله: فعجم عيدانها عودا عودا: أي مضغها لينظر أيها أصلب. يقال: عجمت العود إذا مضغته و عضضته و المصدر العجم. يقال: عجمه عجما، و يقال لنوى كل شيء عجم بفتح الجيم و من سكن فقد أخطأ قال الأعشى:
و جذعانها كلقيط العجم و قوله: طالما أوضعتم في الفتنة: الإيضاع ضرب من السير و له أخبار كثيرة تركناها كراهية التطويل. قال ابن خلكان: و لما حضرته الوفاة أحضر منجما و قال: هل ترى في علمك أن ملكا يموت؟قال: نعم، و لست هو. قال و كيف ذلك؟قال: لأن الملك الذي يموت اسمه كليب. فقال الحجاج: أنا هو و اللّه بذلك الاسم سمتني أمي فأوصى عند ذلك و كان ينشد في مرضه:
يا رب قد حلف الأعداء و اجتهدوا # أيمانهم أنني من ساكني النار
أ يحلفون على عمياء ويحهم # ما ظنهم بعظيم العفو غفار [٤]
و توفي الحجاج سنة خمس و تسعين في خلافة الوليد بواسط، و دفن بها، و عفا قبره و أجري عليه الماء و لما مات لم يعلم بموته، حتى خرجت جارية من قصره و هي تقول:
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا # و اليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
فعلم بموته. و قال الحافظ الذهبي و ابن خلكان و غيرهما: أحصي من قتله الحجاج صبرا، سوى من قتل في حروبه، فبلغ مائة ألف و عشرين ألفا. و كذا رواه الترمذي في جامعه. و مات في حبسه خمسون ألف رجل، و ثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألفا مجردات. و كان يحبس الرجال و النساء في موضع واحد. و عرضت سجونه بعده، فوجد فيها ثلاثة و ثلاثون ألفا لم يجب على أحد منهم لا قطع و لا صلب. و قال الحافظ ابن عساكر: إن سليمان بن عبد الملك، أخرج من كان في سجن الحجاج من المظلومين. و يقال: إنه أخرج في يوم واحد ثمانين ألفا. و يقال: إنه
[١] النابغة الذبياني: زياد بن معاوية شاعر جاهلي فحل. و البيت في ديوانه: ١٩٠.
[٢] قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، من العقلاء، مات سنة ١٠ هـ-.
[٣] زهير هو الشاعر زهير بن أبي سلمى، الحكيم الجاهلي. و البيت في ديوانه ١٦.
[٤] البيت و ما قبله في وفيات الأعيان: ٢/٥٣ منسوبان إلى عبيد بن سفيان العكلي. و في البيت الثاني: «ما ظنهم بقديم... » .