حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٨٦ - فائدة
عباس رضي اللّه عنهما، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال لنسائه: «أيتكن صاحبة الجمل الأديب تسير، أو تخرج حتى ينبحها كلاب الحوأب؟» و الحوأب نهر بقرب البصرة و الأديب الأزب و هو الكثير شعر الوجه. قال ابن دحية و العجب من ابن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتاب الغوامض و العواصم له!و ذكر أنه لا يوجد له أصل و هو أشهر من فلق الصبح. و روي أن عائشة لما خرجت، مرت بماء يقال له الحوأب فنبحتها الكلاب، فقالت: ردوني ردوني فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب» [١] . و هذا الحديث مما أنكر على قيس بن أبي حازم. و أما قول الشاعر:
شكا إلى جملي طول السرى # يا جملي ليس إلى المشتكى
صبرا جميلا فكلانا مبتلى
فمعلوم أن الجمل لا ينطق، و إنما أراد التجوز و مقابلة الكلام بمثله كقوله [٢] تعالى: فَمَنِ اِعْتَدىََ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدىََ عَلَيْكُمْ و كقول عمرو بن كلثوم [٣] :
ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا
و كقول الآخر:
و لي فرس للحلم بالحلم ملجم # و لي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن رام تقويمي فإني مقوم # و من رام تعويجي فإني معوج
يريد: أكافىء الجاهل و المعوج لا أنه امتدح بالجهل و الاعوجاج. و أما قوله تعالى: حَتََّى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيََاطِ [٤] فأراد به الحيوان المعروف لأنه أعظم الحيوانات المتداولة للإنسان جثة فلا يلج إلا في باب واسع كأنه قال لا يدخلون الجنة أبدا قال الشاعر:
لقد عظم البعير بغير لب # فلم يستغن بالعظم البعير
و قرأ ابن عباس و مجاهد الجمل بضم الجيم و تشديد الميم و فسر بحبل السفينة الغليظ. و سم الخياط هو بخش الإبرة أي ثقبها و قد ألغز فيها الشاعر فقال:
سعت ذات سم في قميصي فغادرت # به أثرا و اللّه يشفي من السم
كست قيصرا ثوب الجمال و تبعا # و كسرى و عادت و هي عارية الجسم
و كنية الجمل أبو أيوب و أبو صفوان. و في حديث أم زرع زوجي «لحم جمل غث على رأس جبل وعر» . و في سنن أبي داود عن مجاهد عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «أهدى عام
[١] رواه ابن حنبل: ٦/٥٢/٩٧.
[٢] سورة البقرة: الآية ١٩٤.
[٣] عمرو بن كلثوم، شاعر جاهلي، فارس شجاع من أصحاب المعلقات من تغلب و البيت في معلقته، انظر المعلقات السبع الزوزني: و العقد الفريد: ٥/٨٧.
[٤] سورة الأعراف: الآية ٤٠.