حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٥٥ - الأيّل
بذلك و يأتونه من ورائه، فإذا رأوه قد استرخت أذناه أخذوه. و ذكره من عصب لا لحم و لا عظم، و قرنه مصمت لا تجويف فيه.
و هو في نفسه جبان دائم الرعب، و هو يأكل الحيات أكلا ذريعا و إذا أكل الحية بدأ بأكل ذنبها إلى رأسها. و هو يلقي قرونه في كل سنة، و ذلك الهام من اللّه تعالى، لما للناس فيها من المنفعة، لأن الناس يطردون بقرنه كل دابة سوء و ييسر عسر الولادة و ينفع الحوامل، و يخرج الدود من البطن إذا أحرق منه جزء و لعق بالعسل، قاله في النعوت، و يسمن هذا الحيوان سمنا كثيرا فإذا اتفق له ذلك هرب خوفا من أن يصاد.
تتمة: قال الزجاجي سئل ابن دريد [١] عن معنى قول الشاعر:
هجرتك لا قلى مني و لكن # رأيت بقاء ودك في الصدود
كهجر الحائمات الورد لما # رأت أن المنية في الورود
تغيظ نفوسها ظمأ و تخشى # حماما فهي تنظر من بعيد
تصد بوجه ذي البغضاء عنه # و ترمقه بالحاظ الودود
فقال: الحائم الذي يدور حول الماء و لا يصل إليه. و معنى الشعر أن الأيايل تأكل الأفاعي في الصيف، فتحمى و تلتهب لحرارتها فتطلب الماء، فإذا رأته امتنعت من شربه، و حامت عليه تتنسمه، لأنها لو شربته في تلك الحالة فصادف الماء السم الذي في أجوافها هلكت، فلا تزال تمتنع من شرب الماء، حتى يطول بها الزمان فيذهب ثوران السم ثم تشربه فلا يضرها.
فيقول هذا الشاعر: أنا في تركي وصالك مع شدة حاجتي إليه بمثابة الحائمات التي تدع شرب الماء مع شدة حاجتها إليه، إبقاء على حياتها.
و الزجاجي هو عبد الرحمن بن إسحاق أبو القاسم الزجاجي، إمام النحو صحب أبا إسحاق الزجاج، فعرف به و نسب إليه. و صنف كتاب الجمل و طوله بكثرة الأمثلة و لم يشتغل به أحد إلا انتفع به، لأنه صنفه بمكة المشرفة و كان إذا فرغ من باب طاف أسبوعا و سأل اللّه تعالى أن يغفر له و أن ينفع به قارئه. و من كلامه ما حرم اللّه شيئا إلا و أحل بازائه خيرا منه: حرم الميتة و أباح المذكي، و حرم الخمر و أباح النبيذ، و حرم السفاح و أباح النكاح، و حرم الربا و أباح البيع.
توفي سنة سبع أو تسع و ثلاثين و ثلاثمائة بدمشق، و قيل بطبرية و ما أحسن قول أبي منصور موهوب الجواليقي [٢] اللغوي:
ورد الورى سلسال جودك فارتووا # و وقفت حول الورد وقفة حائم
حيران أطلب غفلة من وارد # و الورد لا يزداد غير تزاحم
و كان الجواليقي إماما في فنون الأدب، و له تصانيف مفيدة و كان إماما للخليفة المقتفي يصلي به الصلوات الخمس. و لما دخل عليه أول دخلة، قال السلام على أمير المؤمنين و رحمة اللّه
[١] ابن دريد: أبو بكر محمد بن دريد اللغوي صاحب الجمهرة. المتوفى سنة ٣٢١ هـ-.
[٢] البيتان مع ترجمته في وفيات الأعيان: ٥/٣٤٣.