حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٤٠ - خلافة أبي عبد اللّه محمد المقتفي لأمر اللّه
خلافة أبي منصور جعفر الراشد باللّه
هو السادس، فخلع كما سيأتي هذا إذا لم يعد ابن المعتز، و إلا فالسادس المسترشد، و قد هجم عليه قاعدته أي الباطنة، أرسلهم إليه السلطان سنجر الملقب ذا القرنين، فقتلوه ثم قام بالأمر بعده، يعني المسترشد، ابنه أبو منصور جعفر الراشد باللّه بن المسترشد بن المستظهر. بويع له بالخلافة يوم موت أبيه بعهد منه، فمكث ما شاء اللّه ثم وقع بينه و بين السلطان مسعود.
فاستخدم الراشد أجنادا كثيرة و تهيأ للقائه، فكاتب السلطان مسعود أتابك زنكي و استماله، و كذلك فعل بارتقش فأشارا على الراشد بالتوقف، و أقبل السلطان مسعود بجيوشه، فدخل بغداد في ذي القعدة، و قيل في ذي الحجة سنة ثلاثين و خمسمائة. فنهب دور الجند، و منع من نهب البلد.
و استمال الرعية و أحضر القضاة و الشهود فقدحوا في الراشد بأنه صدرت منه سيرة قبيحة من سفك الدماء المحرمة، و ارتكاب المنكرات، و فعل ما لا يجوز فعله، و شهدوا عليه بذلك فحكم قاضي قضاة الممالك و هو ابن الكرخي، و العلم عند اللّه تعالى بخلعه، فخلعوه لأربع عشرة من ذي القعدة سنة ثلاثين و خمسمائة.
و كان الراشد قد هرب هو و أتابك زنكي، إلى الموصل فطلبه السلطان مسعود، فهرب إلى فارس ثم دخل أصبهان، فحاصرها و تمرض هناك، فوثب عليه جماعة من الفداوية فقتلوه. و له إحدى و عشرون سنة و قيل ثلاثون سنة. و كانت خلافته إلى أن خلع منها سنة إلا أياما، و كان قتله في سنة اثنتين و ثلاثين و خمسمائة و هو صائم، في اليوم السادس و العشرين من شهر رمضان، و قيل:
إنه كان قد سقي أيضا، و دفن في جامع حيي. و خلف بضعا و عشرين ولدا ذكرا، و خطب له بولاية العهد أكثر أيام أبيه، و كان شابا أبيض مليحا تام الشكل شديد البطش، شجاع النفس حسن السيرة شاعرا فصيحا جوادا كريما لم تطل دولته رحمة اللّه تعالى.
خلافة أبي عبد اللّه محمد المقتفي لأمر اللّه
ثم قام بالأمر بعده، عمه أبو عبد اللّه محمد بن المستظهر بن المقتدي. بويع له بالخلافة يوم خلع ابن أخيه. و لقب بالمقتفي لأمر اللّه، و سبب لقبه بهذا أنه رأي النبي صلى اللّه عليه و سلم في المنام، قبل خلافته بستة أشهر، و قيل بسنة، و هو يقول له: إنه سيصل إليك هذا الأمر فاقتف بي، و كان آدم اللون بوجهه أثر جدري، مليح الشيبة عظيم الهيبة، سيدا عالما فاضلا، دينا حليما شجاعا، فصيحا مهيبا خليقا للإمارة، كامل السؤدد عظيم المملكة بيده أزمة الأمور كان لا يجري في خلافته أمر، و إن صغر إلا بتوقيعه. و كانت أمه حبشية، كتب في أيام خلافته ثلاث ربعات.
و كانت وفاته بالخوانيق، في شهر ربيع الأول سنة خمس و خمسين و خمسمائة. و هو ابن ست و ستين سنة، و كانت خلافته ثلاثا و عشرين سنة و قيل: خمسا و عشرين سنة و قد جدد باب الكعبة، و عمل لنفسه من العقيق تابوتا دفن فيه. و قد رأيت فيما نقلته من خط صاحبنا الحافظ صلاح الدين خليل بن محمد الأقفهسي، فيما نقله من خط الصدر عبد الكريم، العلامة ابن العلامة علاء الدين القونوي أن القائم بالأمر بعد المقتفي المستظهر. كذا ذكره و لا أعلم من هذا المستظهر