حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٤٨ - فائدة أخرى
إن الطبيب بطبه و دوائه # لا يستطيع دفاع نحب قد أتى
ما للطبيب يموت بالداء الذي # قد كان يبرئ مثله فيما مضى
و بلغه أن الناس قد أرجفوا بموته، فاستدعى بحمار و أمر فحمل عليه، فاسترخت فخذاه فقال: أنزلوني صدق المرجفون. ثم استدعى بأكفان فتخير منها ما أعجبه، و أمر فشق له قبر أمام فراشه، ثم اطلع فيه فقال: مََا أَغْنىََ عَنِّي مََالِيَهْ `هَلَكَ عَنِّي سُلْطََانِيَهْ [١] فتوفي في يومه رحمه اللّه تعالى. و في تاريخ ابن خلكان أن بعض أصحاب الحلاج [٢] ادّعى أنه رؤي يوم قتله و هو راكب على حمار في طريق النهروان و أنه قال لهم: لعلكم تظنون أني المضروب و المقتول؟و كان سبب قتله أنه جرى منه كلام في مجلس حامد بن العباس وزير المقتدر باللّه فأفتى القضاة و العلماء بإباحة دمه فرسم المقتدر بتسليمه إلى محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة فتسلمه بعد العشاء خوفا من العامة أن تنزعه من يده، ثم أخرجه يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة سنة تسع و ثلاثمائة عند باب الطاق و اجتمع عليه خلق كثير. و أمر به فضربه الجلاد ألف سوط، فما استعفى و لا تأوّه ثم قطع أطرافه الأربعة، و هو ساكن لا يضطرب، ثم حز رأسه و أحرقت جثته و ألقي رمادها في دجلة، و نصب الرأس ببغداد، ثم حمل و طيف به في النواحي و البلاد و جعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما. و اتفق إن زادت دجلة تلك السنة زيادة وافرة، فادعى أصحابه أن ذلك بسبب إلقاء رماده فيها. و ادعى بعض أصحابه أنه لم يقتل و إنما ألقي شبهه عند قتله على عدوّ له و لما أخرج ليقتل أنشد قائلا [٣] :
طلبت المستقر بكل أرض # فلم أر لي بأرض مستقرّا
أطعت مطامعي فاستعبدتني # و لو أني قنعت لكنت حرّا
و يحكى أن الحلاج أنشد عند قتله:
لم أسلم النفس للأسقام تتلفها # إلا لعلمي بأن الموت يشفيها
و نظرة منك يا سؤلي و يا أملي # أشهى إلي من الدنيا و ما فيها
نفس المحب على الآلام صابرة # لعل متلفها يوما يداويها
و كان الحلاج قد صحب الجنيد و وقع بينه و بين الشبلي و غيره من مشايخ الصوفية رحمة اللّه تعالى عليهم أجمعين انتهى. و ذكر الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام المقدسي في مفاتيح الكنوز أنه لما أتي به ليصلب و رأى الخشب و المسامير ضحك ضحكا كثيرا ثم نظر في الجماعة فرأى الشبلي فقال: يا أبا بكر أ ما معك سجادة قال: بلى. قال: افرشها لي ففرشها فتقدم و صلى ركعتين فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب، و بعدها: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ اَلْخَوْفِ وَ اَلْجُوعِ [٤] الآية ثم قرأ في الثانية فاتحة الكتاب و بعدها: كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ* الآية [٥] ثم ذكر كلاما مطوّلا ثم تقدم
[١] سورة الحاقة: الآية ٢٨-٢٩.
[٢] الحلاج، أبو مغيث الحسين بن منصور، الزاهد المشهور، اتهم، لأقوال قالها بالحلول و أفتى القضاة بقتله سنة ٣٠٩ هـ-.
[٣] وفيات الأعيان: ٢/١٤٤.
[٤] سورة البقرة: الآية ١٥٥.
[٥] سورة آل عمران: ١٨٥.