حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٠٢ - خلافة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه
عنه. و ذكر المفضل و غيره، أن سليمان بن عبد الملك، خرج من الحمام في يوم الجمعة، فلبس حلة خضراء، و اعتم بعمامة خضراء، و جلس على فراش أخضر، و بسط ما حوله بالخضرة، ثم نظر في المرآة و كان جميلا، فأعجبه جماله، فشمر عن ذراعيه و قال: كان فينا نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم نبيا و رسولا، و كان أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه صديقا، و كان عمر رضي اللّه تعالى عنه فاروقا، و كان عثمان رضي اللّه تعالى عنه حييا، و كان علي رضي اللّه تعالى عنه شجاعا، و كان معاوية رضي اللّه تعالى عنه حليما، و كان يزيد صبورا، و كان عبد الملك سائسا، و كان الوليد جبارا، و أنا الملك الشاب. ثم خرج لصلاة الجمعة فوجد حظية له في صحن الدار فانشدته هذه الأبيات:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى # غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب # عابه الناس غير أنك فاني
فلما فرغ من الصلاة، و دخل داره، قال لتلك الحظية: ما قلت لي في صحن الدار و أنا خارج؟قالت: ما قلت لك شيئا، و لا رأيتك، و أني لي بالخروج، إلى صحن الدار؟فقال: إنا للّه و إنا إليه راجعون، نعيت إلي نفسي، فما دارت عليه جمعة أخرى حتى مات. و قيل: إنه صعد المنبر و خطب، و إن صوته ليسمع في أقصى المسجد، فأخذته الحمى فما زال صوته يخفى، حتى لم يسمعه من تحته، ثم دخل داره يسحب رجليه بين رجلين، فما دارت عليه جمعة أخرى حتى مات. و قال ابن خلكان: إنه حم و مات في ليلته، و قيل: إنه مات بذات الجنب، و توفي في صفر في عاشره سنة ثمان و تسعين و قيل سنة تسع و تسعين، بمرج دابق من أرض قنسرين، و له تسع و ثلاثون سنة و قيل خمس و أربعون سنة و كانت خلافته سنتين و ثمانية شهور رحمة اللّه تعالى عليه.
خلافة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه
ثم قام بالأمر بعده الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه. بويع له بالخلافة يوم مات سليمان بن عبد الملك، بعهد له منه بذلك، و كان يقال له: إنه أشج [١] بني أمية، و أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما فعمر رضي اللّه تعالى جده من قبل أمه، و هو تابعي جليل، روى عن أنس بن مالك، و السائب بن يزيد رضي اللّه تعالى عنهما.
و روى عنه جماعة. و مولده رضي اللّه تعالى عنه، بمصر سنة إحدى و ستين. قال الإمام أحمد: ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر بن عبد العزيز، و في طبقات ابن سعد عن عمر بن قيس، أنه قال لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، سمع صوت لا يدري قائله:
من الآن قد طابت وقر قرارها # على عمر المهدي قام عمودها
و كان عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، عفيفا زاهدا ناسكا عابدا مؤمنا تقيا صادقا.
و هو أول من اتخذ دار الضيافة من الخلفاء، و أول من فرض لأبناء السبيل، و أزال ما كانت بنو أمية
[١] الأشج: أي الذي يبدو على وجهه أثر شجة.