حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٩٧ - الحكم
رجاله، فثبت أمره بعد أن كان قد أشفى على الانحلال و الانخرام. ثم إنه جهز ثيابا و سأل عن خياط حاذق، فوصف له خياط كان لصاحب البلد قبله، فأمر بإحضاره و كان أطروشا، و كان عنده وديعة لصاحب البلد، فوقع في نفسه أنه سعى به إليه، و أنه طلب بسبب الوديعة، فلما خاطبه حلف أنه لم يكن عنده سوى أثني عشر صندوقا لا يدري ما فيها، فتعجب عماد الدولة من جوابه و وجه معه من يحمل الصناديق، فوجد فيها أموالا و ثيابا تجمل كثيرة، فكانت هذه الأسباب من أقوى دلائل سعادته، توفي عماد الدولة سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة و لم يعقب.
الحكم:
يحرم أكل الحيات لضررها. و كذا يحرم أكل الترياق المعمول من لحومها. و قال البيهقي: كره أكله ابن سيرين، قال أحمد: و لهذا كرهه الإمام الشافعي، فقال: لا يجوز أكل الترياق المعمول من لحم الحيات، إلا أن يكون بحال الضرورة، بحيث يجوز له أكل الميتة و أما السمك الذي في البحر على شكلها فحلال، كما تقدم. و أمر النبي صلى اللّه عليه و سلم بقتل الحيات أمر ندب.
روى البخاري و مسلم و النسائي عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال: كنا مع النبي صلى اللّه عليه و سلم في غار بمنى، و قد أنزلت عليه و المرسلات عرفا، فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية فقال: اقتلوها فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا فقال صلى اللّه عليه و سلم: «وقاها اللّه شركم كما وقاكم شرها [١] .
و عداوة الحية للإنسان معروفة قال اللّه تعالى: اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ* [٢] قال الجمهور الخطاب لآدم و حواء و الحية و إبليس.
و روى قتادة: رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «ما سالمناهن منذ عاديناهن» [٣] .
و قال ابن عمر رضي اللّه عنهما: من تركهن فليس منا. و قالت عائشة رضي اللّه عنها: من ترك حية خشية من ثأرها فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين. و في سنن البيهقي عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، أنها قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «الحية فاسقة و العقرب فاسقة و الفأرة فاسقة و الغراب فاسق» [٤] . و في مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال: «من قتل حية فكأنما قتل رجلا مشركا باللّه، و من ترك حية مخافة عاقبتها فليس منا» [٥] . و قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: «إن الحيات مسخت كما مسخت القردة من بني إسرائيل» [٦] . و كذا رواه الطبراني عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و كذا رواه ابن حبان.
و أما الحيات التي في البيوت، فلا تقتل حتى تنذر ثلاثة أيام، لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منها شيئا فآذنوه ثلاثة أيام» [٧] . و حمل بعض العلماء ذلك على المدينة وحدها.
و الصحيح أنه عام في كل بلدة لا تقتل حتى تنذر. روى مسلم و مالك في أواخر الموطأ و غيرهما، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه قال: دخلت على أبي سعيد الخدري في بيته، فوجدته يصلي، فجلست أنتظر فراغه فسمعت حركة تحت سرير في ناحية البيت فالتفت، فإذا حية فوثبت
[١] رواه النسائي في المناسك: ١١٤. و ابن حنبل: ١/٣٨٥.
[٢] سورة البقرة: الآية ٣٦.
[٣] رواه أحمد: ٢/٢٤٧، ٤٣٢، ٥٢٠.
[٤] رواه أحمد: ٦/٢٠٩، ٢٣٨.
[٥] رواه أبو داود أدب: ١٦٢. و أحمد: ١-٢٣٠-٣٤٨.
[٦] رواه مسلم في القدر: ٣٦.
[٧] رواه مسلم في السلام: ١٣٩-١٤١.