حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤١٨ - الخلد
الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفد الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك و اللّه أعلم.
و نقل: الإمام أبو الفرج بن الجوزي عن الضحاك، أن الجرذ الذي خرب سد مأرب كان له مخاليب و أنياب من حديد، و أن أول من علم بذلك عمرو بن عامر الأزدي و كان سيّدهم و كان قد رأى في المنام، كأنه انبثق عليه الردم، فسال الوادي، فأصبح مكروبا فانطلق نحو الردم، فرأى الجرذ يحفر بمخاليب من حديد، و يقرض بأنياب من حديد، فانصرف إلى أهله فأخبر امرأته و أراها ذلك و أرسل بنيه فنظروا، فلما رجعوا قال: هل رأيتم ما رأيت قالوا نعم قال: فإن هذا الأمر ليس لنا إلى إذهابه من سبيل. و قد اضمحلت الحيلة فيه لأن الأمر من اللّه، و قد آذن اللّه بالهلاك ثم إنه عمد إلى هرة فأخذها، و أتى إلى الجرذ فصار الجرذ يحفر و لا يكترث بالهرة، فولت الهرة هاربة فقال عمر و لأولاده: احتالوا لأنفسكم فقالوا: يا أبت كيف نحتال؟فقال: إني محتال لكم بحيلة قالوا:
افعل فدعا أصغر بنيه و قال له: إذا جلست في المجلس، و اجتمع الناس على العادة، و كان الناس يجتمعون إليه و ينتهون برأيه، فإني آمرك بأمر فتغافل عنه، فإذا شتمتك فقم إلي و الطمني. ثم قال لأولاده: فإذا فعل ذلك فلا تنكروا عليه، و لا يتكلم أحد منكم، فإذا رأى الجلساء فعلكم لم يجسر أحد منهم أن ينكر عليه، و لا يتكلم فأحلف أنا عند ذلك يمينا لا كفارة لها، أن لا أقيم بين أظهر قوم قام إليّ أصغر بني فلطمني فلم يغيروا. فقالوا: نفعل ذلك فلما جلس و اجتمع الناس إليه أمر ابنه الصغير ببعض أمره، فلها عنه فشتمه، فقام إليه و لطم وجهه فعجب الجماعة من جراءة ابنه عليه، و ظنوا أن أولاده يغيرون عليه فنكسوا رءوسهم!فلما لم يغر أحد منهم، قام الشيخ و قال:
أ يلطمني ولدي و أنتم سكوت!ثم حلف يمينا لا كفارة لها أن يتحول عنهم، و لا يقيم بين أظهر قوم لم يغيروا عليه، فقام القوم يعتذرون إليه و قالوا له: ما كنا نظن أن أولادك لا يغيرون، فذاك الذي منعنا. فقال: قد سبق مني ما ترون و ليس إلي غير التحول من سبيل. ثم أنه عرض ضياعه للبيع، و كان الناس يتنافسون فيها، و احتمل بثقله و عياله و تحول عنهم، فلم يلبث القوم إلا يسيرا حتى أتى الجرذ على الردم، فاستأصله فبينما القوم ذات ليلة بعد ما هدأت العيون، إذا هم بالسيل فاحتمل أنعامهم و أموالهم و خرب ديارهم، فذلك قوله [١] تعالى: فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ سَيْلَ اَلْعَرِمِ و في العرم أقوال: قيل: هو المسناة أي السد. قاله قتادة. و قيل: هو اسم الوادي، قال السهيلي.
و قيل: اسم الخلد الذي خرق السد. و قيل هو السيل الذي لا يطاق. و أما مأرب فبسكون الهمزة اسم لقصر كان لهم. و قيل: هو اسم لكل ملك كان على سبأ، كما أن تبعا اسم لكل من ولي اليمن و الشحر و حضر موت، قاله المسعودي. و قال السهيلي: و كان السد من بناء سبأ بن يشجب، و كان قد ساق إليه سبعين واديا و مات من قبل أن يتمه فاتمته ملوك حمير. و اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. قيل: إنه أول من سبي فسمي سبأ. و قيل: إنه أول من تتوج من ملوك اليمن، و قال المسعودي: بناه لقمان بن عاد و جعله فرسخا في فرسخ، و جعل له ثلاثين شعبا فأرسل اللّه عليه سيل العرم، و فرقوا و مزقوا حتى صاروا مثلا. فقالوا: «تفرقوا أيدي سبأ و أيادي
[١] سورة سبأ: الآية ١٦.