حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤١١ - الخطاف
على الماء، فلما جازا قال عيسى: أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف؟قال: لا أدري.
فسارا حتى انتهيا إلى مفازة فجلسا، فأخذ عيسى ترابا و رملا و قال كن ذهبا بإذن اللّه فكان ذهبا، فقسمه عيسى ثلاثة أثلاث، ثم قال: ثلث لي و ثلث لك و ثلث للذي أخذ الرغيف. فقال الرجل: أنا أخذته قال عيسى: كله لك. ثم فارقه عيسى عليه السلام و ذهب و مكث هو عند المال في المفازة، فانتهى إليه رجلان فأرادا أن يأخذاه منه و يقتلاه، فقال: هو بيننا أثلاثا ثم قال: فابعثا أحدكما إلى القرية ليشتري لنا طعاما فقال الذي بعث: لأي شيء اقاسمهما المال؟لأجعلن لهما في الطعام سما فاقتلهما ففعل. و قال صاحباه في غيبته: لأي شيء نقاسمه المال؟إذا جاء قتلناه و اقتسمنا المال نصفين. فلما جاء قاما إليه و قتلاه، ثم أكلا الطعام فماتا و بقي المال في المفازة و أولئك الثلاثة قتلى حوله فمر عيسى عليه الصلاة و السلام بهم. و هم على تلك الحالة، فقال لأصحابه:
هكذا الدنيا تفعل بأهلها فاحذروها.
الخضاري:
طائر يسمى الأخيل قاله الجوهري. و قد تقدم في باب الهمزة.
الخضرم:
كعلبط ولد الضب.
الخضيراء:
طائر معروف عند العرب.
الخطاف:
بضم الخاء المعجمة جمعه خطاطيف و يسمى زوار الهند و هو من الطيور القواطع إلى الناس، تقطع البلاد البعيدة إليهم رغبة في القرب منهم ثم إنها تبني بيوتها في أبعد المواضع عن الوصول إليها، و هذا الطائر يعرف عند الناس بعصفور الجنة، لأنه زهد ما في أيديهم من الأقوات فأحبوه لأنه إنما يتقوت بالذباب و البعوض. و في الحديث الحسن، الذي رواه ابن ماجة و غيره، عن سهل بن سعد الساعدي، أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال له دلني على عمل إذا عملته أحبني اللّه و أحبني الناس فقال: «ازهد في الدنيا يحبك اللّه، و ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس [١] » . فأما كون الزهد في الدنيا سببا لمحبة اللّه تعالى فلأنه تعالى يحب من أطاعه و يبغض من عصاه، و طاعة اللّه لا تجتمع مع محبة الدنيا، و أما كونه سببا لمحبة الناس فلأنهم يتهافتون على محبة الدنيا، و هي جيفة منتنة و هم كلابها، فمن زاحمهم عليها أبغضوه، و من زهد فيها أحبوه كما قال [٢] الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه:
و ما هي إلا جيفة مستحيلة # عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها # و إن تجتذبها نازعتك كلابها
و قد أحسن القائل في وصف الخطاف:
كن زاهدا فيما حوته يد الورى # تضحي إلى كل الأنام حبيبا؟
أ و ما ترى الخطاف حرم زادهم # أضحى مقيما في البيوت ربيبا
سماه ربيبا لأنه يألف البيوت العامرة دون الخربة، و هو قريب من الناس و من عجيب أمره أن عينه تقلع ثم ترجع و لا يزى واقفا على شيء يأكله أبدا و لا مجتمعا بأنثاه، و الخفاش يعاديه فلذلك
[١] رواه ابن ماجة في الزهد: ١.
[٢] ديوان الشافعي ٣٠.