حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٨٠ - خلافة عمر الفاروق رضي اللّه تعالى عنه
و قارب فقد دنا الأمر، و أخبروه بهذه الخصال التي أخبركم بها: يا عمر إذا ظهرت هذه الخصال في أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم، فالهرب الهرب إذا استغنى الرجال بالرجال، و النساء بالنساء، و انتسبوا إلى غير مناسبهم، و انتموا إلى غير مواليهم، و لم يرحم كبيرهم صغيرهم، و لم يوقر صغيرهم كبيرهم، و ترك الأمر بالمعروف، فلم يؤمر به و ترك النهي عن المنكر فلم ينه عنه، و تعلم عالمهم العلم ليجلب به الدنيا، و كان المطر قيظا و الولد غيظا، و طولوا المنارات و فضضوا المصاحف، و زخرفوا المساجد و أظهروا الرشا و شيدوا البناء، و اتبعوا الهوى و باعوا الدين بالدنيا، و قطعت الأرحام و منعت الأحكام، و أكلوا الرباء و حاز الغني عزا، و الفقير ذلا، و خرج الرجل من بيته، فقام إليه من هو خير منه فسلم عليه، و ركبت الفروج السروج. ثم غاب عنهم فلم يروه. فكتب نضلة إلى سعد بذلك، فكتب سعد بذلك إلى عمر، رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين، فكتب إليه عمر رضي اللّه تعالى عنه: سر أنت بنفسك و من معك، من المهاجرين و الأنصار، حتى تنزلوا بهذا الجبل، فإن لقيته فاقرئه مني السلام، فخرج سعد رضي اللّه تعالى عنه، في أربعة آلاف فارس من المهاجرين و الأنصار و أبنائهم، حتى نزلوا بذلك الجبل، و مكث سعد رضي اللّه تعالى عنه أربعين يوما ينادي بالصلاة، فلا يجد جوابا و لا يسمع خطابا فكتب بذلك إلى عمر رضي اللّه تعالى عنه.
و عمر رضي اللّه تعالى عنه أول من أرخ التاريخ و ذلك في سنة ست عشرة، و فيها كان فتح بيت المقدس صلحا. و فيها نزل سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه الكوفة و مصرها، و هو أول من دون الدواوين و مصر الأمصار و حقق كلمته في إعلاء كلمة اللّه تعالى، ففتح اللّه تعالى على يديه مواضع عديدة ففتح رضي اللّه تعالى عنه دمشق ثم الروم ثم القادسية، ثم انتهى الفتح إلى حمص و حلوان و الرقة و الرها و حران و رأس العين و خابور و نصيبين و عسقلان و طرابلس، و ما يليها من الساحل و بيت المقدس و بيسان و اليرموك و الأهواز و قيسارية و مصر و تستر و نهاوند و الري و ما يليها، و أصبهان و بلاد فارس و اصطخر و همذان و النوبة و البرلس و البربر و غير ذلك و كانت درته أهيب من سيف الحجاج، وهابه ملوك فارس و الروم و غيرهم، و مع ذلك كله بقي على حاله كما كان قبل الولاية في لبسه و زيه و أفعاله و تواضعه يسير منفردا في حضره و سفره من غير حرس و لا حجاب لم تغيره الإمرة، و لم يستطل على مسلم بلسانه، و لا حابى أحدا في الحق، و كان لا يطمع الشريف في حيفه، و لا ييأس الضعيف من عدله، و لا يخاف في اللّه لومة لائم. و نزّل نفسه رضي اللّه تعالى عنه، من مال اللّه تعالى منزلة رجل من المسلمين، و جعل فرضه كفرض رجل من المهاجرين، و كان يقول: أنا في مالكم كولي مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، و إن افتقرت أكلت بالمعروف أراد بذلك أنه يأكل ما تقوم به بنيته و لا يتعداه، و قال مجاهدا: تذاكر الناس في مجلس ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، فأخذوا في فضل أبي بكر ثم في فضل عمر رضي اللّه تعالى عنهما، فلما سمع ابن عباس ذكر عمر رضي اللّه تعالى عنه، بكى بكاء شديدا حتى أغمي عليه، ثم قال:
رحم اللّه عمر قرأ القرآن و عمل بما فيه فأقام حدود اللّه كما أمر لا تأخذه في اللّه لومة لائم لقد رأيت عمر رضي اللّه تعالى عنه، و قد أقام الحد على ولده فقتله فيه. و ستأتي الإشارة إلى ذلك في باب الدال المهملة في لفظ الديك، و قتل رضي اللّه عنه في سنة ثلاث و عشرين، قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، و اسمه فيروز، و كان المغيرة رضي اللّه تعالى عنه، يستغله كل يوم أربعة دراهم،