حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٦ - الإبل
و مرجوا منها، و ينمحي ذكر اللّه تعالى من القلب، فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط، و العالم الراسخ هو الذي يطلع على أن الشمس، و القمر، و النجوم، مسخرات بأمره سبحانه و تعالى.
الوجه الثاني: إن أحكام النجوم تخمين محض، و ليس يدرك في حق آحاد الأشخاص، لا يقينا و لا ظنا فالحكم به حكم بجهل، فيكون ذمه على هذا من حيث إنه جهل، لا من حيث إنه علم. و قد كان ذلك علما لإدريس عليه السلام فيما يحكى، و قد اندرس ذلك العلم و انمحق و ما يتفق من إصابة المنجم على ندور فهو اتفاق، لأنه قد يطلع على بعض الأسباب، و لا يحصل المسبب عقبها إلا بعد شروط كثيرة، ليس في قدرة البشر الاطلاع عليها. فإن اتفق أن قدر اللّه تعالى بقية الأسباب، وقعت الإصابة. و إن لم يقدر أخطأ. و يكون ذلك كتخمين الإنسان في أن السماء تمطر اليوم، مهما رأى الغيم يجتمع، و ينبعث من الجبال، فيتحرك ظنه بذلك و ربما يحمى النهار بالشمس، و يتبدد الغيم و ربما يكون بخلافه، فإن مجرد الغيم ليس كافيا في مجيء المطر، و بقية الأسباب لا تدرى. و كذلك تخمين الملاح، أن السفينة تسلم، اعتمادا على ما ألفه من العادة في الرياح، و لتلك الرياح أسباب خفية، لا يطلع عليها الملاح، فتارة يصيب في تخمينه، و تارة يخطئ. و لهذه العلة يمنع القوم عن النجوم.
الوجه الثالث أنه لا فائدة فيه، فأقل أحواله أنه خوض في فضول لا يعني، و تضييع للعمر الذي هو أنفس بضائع الإنسان بغير فائدة، و غايته الخسران، فقد مرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم برجل، و الناس مجتمعون عليه، فقال: «ما هذا» ؟قالوا: رجل علاّمة فقال: بما ذا؟قالوا: بالشعر و أنساب العرب. فقال: «علم لا ينفع، و جهل لا يضر» و قال [١] صلى اللّه عليه و سلم: «إنما العلم آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة» فإذا الخوض في النجوم إنما يشبه اقتحام خطر و خوض جهالة من غير فائدة فإن ما قدر كائن، و الاحتراز غير ممكن، بخلاف الطب، فإن الحاجة إليه ماسّة، و أكثر أدلته مما يطلع عليه، و بخلاف التعبير، و إن كان تخمينا لأنه جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة، و لا خطر فيه. و لذلك أكثرنا في كتابنا هذا من النقل من هذين العلمين لضرورة الحاجة إليهما، و لقلة الخطأ فيهما لإمكان الاطلاع على أكثر أدلتهما، و اللّه الموفق للصواب.
الإبل
: بكسر الباء الموحدة، و قد تسكن للتخفيف: الجمال و هو اسم واحد يقع على الجمع، و ليس بجمع، و لا اسم جمع، إنما هو دال على الجنس، كذا قاله ابن سيده. و قال الجوهري: ليس لها واحد من لفظها و هي مؤنثة لأن أسماء الجموع، التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، و إذا صغرتها أدخلت عليها الهاء فقلت: أبيلة و غنيمة و نحو ذلك، و ربما قالوا للإبل: إبل بإسكان الباء كما تقدم، و الجمع آبال و النسبة إبلي بفتح الباء.
روى ابن ماجة، عن عروة البارقي رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم [٢] قال: «الإبل عز لأهلها، و الغنم بركة، و الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة» و في حديث وهب «تأبل آدم على ابنه المقتول
[١] رواه أبو داود في الفرائض: و ابن ماجة في المقدمة: ٨.
[٢] رواه ابن ماجة في التجارات: ٦٩.