حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١١٩ - خلافة أبي إسحاق ابراهيم المعتصم
إليه. فأخذه و رجع إلى الشافعي. فقال له الشافعي: ما أجازك؟قال: أعطاني القميص الذي على جسده. فقال: أما أنا فلا أفجعك فيه، و لكن أغسله و ائتني بمائة، فغسله و أتاه بالماء، فأفاضه على سائر جسده.
و قال إبراهيم الحربي: جعل الإمام أحمد بن حنبل جميع من ضربه أو حضره أو ساعد عليه في حل، إلا ابن أبي دؤاد. و قال: لو لا أنه ذو بدعة لأحللته، و لو تاب من بدعته لأحللته، و قال أحمد بن سنان: بلغنا أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل، يوم فتح بابل أو فتح عمورية.
و قال: هو في حل من ضربي. قال عبد اللّه بن الورد: رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم، في المنام، فقلت له:
يا رسول اللّه ما شأن أحمد بن حنبل؟فقال صلى اللّه عليه و سلم: سيأتيك موسى بن عمران، فاسأله فإذا أنا بموسى بن عمران صلى اللّه عليه و سلم، فقلت: يا كليم اللّه ما شأن أحمد بن حنبل، فقال: أحمد بن حنبل بلي في السراء و الضراء، فوجد صابرا صادقا، فألحق بالصديقين.
و الحكمة في إحالة النبي صلى اللّه عليه و سلم على موسى عليه السلام أمور: منها بيان فضيلة أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم على الأمم، حتى إن موسى عليه السلام يبين ذلك و يقرره. و منها بيان فضل الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه تعالى عنه و ما جعل له من الثواب العظيم في المحنة لما جرى عليه، حتى إنه شهد بعظيم فضله و علو منزلته نبي كريم. و منها أن محنة الإمام أحمد في كون القرآن مخلوقا، و هو كلام اللّه تعالى، و موسى بن عمران عليه السلام كليم اللّه تعالى، كلمه اللّه تكليما، و هو يعلم أن القرآن كلام اللّه تعالى ليس بمخلوق. فناسب الإحالة ليعرف الناس ذلك، ليزداد يقينهم بأنه منزل غير مخلوق.
و ذكر ابن خلكان في ترجمته [١] أنه ولد في سنة أربع و ستين و مائة و توفي في سنة إحدى و أربعين و مائتين. و حزر من حضر جنازته من الرجال، فكانوا ثمانمائة ألف، و من النساء ستين ألفا، و أسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود و النصارى و المجوس انتهى.
و قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء و اللغات: إن المتوكل أمر أن يقاس الموضع، الذي وقف الناس فيه للصلاة على الإمام أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف و خمسمائة ألف و وقع المأتم في أربعة أصناف: في المسلمين و اليهود و النصارى و المجوس انتهى. قال محمد بن خزيمة: لما بلغني موت الإمام أحمد بن حنبل اغتممت غما شديدا، فرأيت من ليلتي في المنام، و هو يتبختر في مشيته، فقلت: يا أبا عبد اللّه ما هذه المشية؟فقال: مشية الخدام في دار السلام. فقلت: ما فعل اللّه بك؟ فقال: غفر لي و توجني و ألبسني نعلين من ذهب، و قال يا أحمد هذا بقولك القرآن كلامي غير مخلوق، ثم قال تبارك و تعالى: يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان [٢] التي كنت تدعو بهن في دار الدنيا. قال: فقلت يا رب كل شيء أسألك بقدرتك على كل شيء، لا تسألني عن شيء، و اغفر لي كل شيء. فقال جل و علا: يا أحمد هذه الجنة قم فادخلها فدخلتها فإذا أنا بسفيان الثوري له جناحان أخضران، يطير بهما من نخلة إلى نخلة، و هو يقول: الحمد للّه الذي
[١] وفيات الأعيان: ١/٦٣.
[٢] هو سفيان الثوري الفقيه المتوفى بالبصرة سنة ١٦٠ هـ-.