حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٨١ - إشارة
فاتخذ سبيله في البحر سربا، و نسلها في البحر إلى الآن في ذلك الموضع. و هي سمكة طولها أكثر من ذراع، و عرضها شبر واحد. في جانبيها شوك و عظام و جلد رقيق على أحشائها، و لها عين و نصف رأس من رآها من هذا الجانب استقذرها، و حسب إنها ميتة و نصفها الآخر صحيح، و الناس يتبركون بها و يهدونها إلى الأماكن البعيدة قال ابن عطية: و أنا رأيتها كذلك قال: و من غريب ما روى البخاري عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما في قصص هذه الآية إن الحوت إنما حيي لأنه مسه ماء عين هنالك تدعى عين الحياة ما مست ميتا قط إلاّ وحيي. و قال الكلبي توضأ يوشع بن نون من عين الحياة، فنضح على الحوت المالح و هو في المكتل من ذلك الماء فعاش الحوت، فجعل يضرب بذنبه و لا يضرب بذنبه شيئا من الماء و هو ذاهب إلا يبس. قال: و من غريبه أيضا أن بعض المفسرين ذكر أن موضع سلوك الحوت عاد طريقا يبسا، و إن موسى مشى عليه متبعا للحوت حتى أفضى به ذلك الطريق إلى جزيرة في البحر و فيها وجد الخضر.
إشارة:
كانت هذه القطرة مباركة فأحيا اللّه تعالى بها الميت، لأنها قطرة من وجه متوضئ و للعبادات تأثيرات، فحياة القلب من ميراث العمل. كان موسى و يوشع في تعب و مشقة فلما حيي الحوت و جدا السبيل إلى مطلبها. فكذا الجوارح و الأعضاء في خوف و حيرة حتى تحيا القلوب بذكر اللّه تعالى، فإذا حيي القلب بالذكر أمنت الأعضاء و سكنت، و اعلم أن موسى عليه السلام، جد في طلب الخضر حتى وجده. و كذلك يستحب لكل طالب فائدة دينية أو دنيوية أن يكون كرارا غير فرار. فإما الظفر و الغنيمة، و إما القتل و الشهادة، كما اتفق للحسين الحلاج و غيره، و قد تقدم ذكر قصته قريبا و روى أبي بن كعب رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوّة لم تلتئم فدخل موسى على أثر الحوت، فإذا هو بالخضر» . و قال قتادة: ما سلك الحوت طريقا إلا صار ماء جامدا طريقا يبسا. و كان موسى عليه الصلاة و السلام قد لحقه الجوع فقال لفتاه، و هو يوشع: آتِنََا غَدََاءَنََا لَقَدْ لَقِينََا مِنْ سَفَرِنََا هََذََا نَصَباً [١] الآية.
قال ابن عطية: و كان أبو الفضل الجوهري يقول في وعظه: مشى موسى عليه السلام لمناجاة ربه تعالى أربعين يوما لم يحتج إلى طعام، و لما مشى إلى بشر لحقه الجوع. و الإشارة في ذلك أنهما كانا متعلمين، و طالب العلم من حقه أن يحتمل كل مشقة، و لا يبالي بصيف و لا شتاء و لا جوع و لا ذل، إذ الذي يطلب لا يعرف قيمته إلا صاحبه، و من عرف قدر ما يطلب هان عليه ما يبذل و من طلب العظيم خاطر بالعظيم و سيأتي إن شاء اللّه تعالى، في باب الصاد المهملة، في الصرد عن مقاتل طرف من ذلك مطول.
و كانت حياة لحوت عند مجمع البحرين قال قتادة: مجمع البحرين هما بحر فارس و بحر الروم مما يلي الشرق و قيل: هما بحر الأردن و بحر القلزم و قيل هما بحر بالمغرب و بحر بالزقاق.
و الحكمة في جمع موسى مع الخضر عليهما السلام بمجمع البحرين أنهما بحران في العلم أحدهما أعلم بالظاهر، و أعني بالظاهر علم الشرع و هو موسى و الآخر أعلم بالباطن أعني بالباطن: علم الحقيقة و أسرار الملكوت و هو الخضر. فكان اجتماع البحرين بمجمع البحرين فحصلت المناسبة.
[١] سورة الكهف: الآية ٦٢.