حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٦ - الأسد
إنّ الأسود أسود الغاب همتها # يوم الكريهة في المسلوب لا السلب [١]
و قد أحسن خالد الكاتب [٢] حيث قال:
علم الغيث الندى حتى إذا # ما وعاه علم البأس الأسد
فإذا الغيث مقرّ بالندى # و إذا الليث مقر بالجلد
و من شعره:
ظفر الحب بقلب دنف # بك و السقم بجسم ناحل [٣]
و بكى العاذل لي من رحمتي # فبكائي لبكاء العاذل [٤]
و كان خالد شيخا كبيرا تأخذه السوداء أيام الباذنجان، و كان الصبيان يتبعونه و يصيحون به يا خالد يا بارد؛ فأسند ظهره يوما إلى قصر المعتصم و قال لهم: كيف أكون باردا و أنا الذي أقول:
بكى عاذلي من رحمتي فرحمته # و كم مسعد من مثله و معين [٥]
و رقّت دموع العين حتى كأنها # دموع دموعي لا دموع جفوني
و في روضة العلماء، أن نوحا عليه السلام، لما غرس الكرمة، جاءه إبليس فنفخ فيها فيبست، فاغتم نوح لذلك و جلس متفكرا في أمرها، فجاءه إبليس و سأله عن تفكيره؟فأخبره فقال له يا نبي اللّه إن أردت أن تحضر الكرمة، فدعني أذبح عليها سبعة أشياء فقال: افعل، فذبح أسدا و دبا و نمرا و ابن آوى و كلبا و ثعلبا و ديكا، و صب دماءهم في أصل الكرمة فاخضرت من ساعتها، و حملت سبعة ألوان من العنب، و كانت قبل ذلك تحمل لونا واحدا فمن أجل ذلك يصير شارب الخمر شجاعا كالأسد و قويا كالدب و غضبان كالنمر، و محدثا كابن آوى، و مقاتلا كالكلب، و متملّقا كالثعلب، و مصوتا كالديك، فحرمت الخمر على قوم نوح. و نوح اسمه عبد الجبار، و إنما سمي نوحا لنوحه على ذنوب أمته، و أخوه صابئ بن لامك و إليه ينسب دين الصابئين فيما ذكروا و اللّه أعلم.
(تذنيب) كان أبو مسلم [٦] الخراساني و اسمه عبد الرحمن بن مسلم بعد فراغه من أمر بني أمية ينشد كل وقت:
أدركت بالحزم و الكتمان ما عجزت # عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
[١] ديوان أبي تمام: ١٧.
[٢] هو خالد بن يزيد البغدادي المعروف بالكاتب. شاعر غزل. عاش و توفي في بغداد سنة ٢٦٢ هـ.
[٣] الأغاني: ٢٠/٢٨١. و قلب دنف: قلت مريض.
[٤] البيتان في وفيات الأعيان: ٢/٢٣٤ و في الثاني: «من رحمته» .
[٥] وفيات الأعيان: ٢/٢٣٦ و فيه «و كم مثله من.. » .
[٦] أبو مسلم هو عبد الرحمن بن مسلم الخراساني، القائم بالدعوة العباسية، و هو من ولد بزرجمهر. و كان ملكا مهيبا جوادا. قتله المنصور غيلة سنة ١٣٧ هـ. وفيات الأعيان: ٣/١٤٥. و الأبيات مع ترجمته في وفيات الأعيان: ٣/١٥٢.