حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٠٩ - الجنين
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ و بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «أحلت لنا ميتتان و دمان: السمك و الجراد و الكبد و الطحال» [١] . و هذه ميتة ثالثة لم تذكر. و دليل الجمهور أحلت لكم بهيمة الأنعام قال ابن عباس و ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهم: بهيمة الأنعام أجنتها توجد ميتة في بطن الأم يحل أكلها بذكاة الأمهات. و هو من أحكام هذه السورة و فيه بعد لأن اللّه تعالى قال: إِلاََّ مََا يُتْلىََ عَلَيْكُمْ* [٢]
و ليس في الأجنة ما يستثنى و قد تقدم ذلك في باب الباء الموحدة. و روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، أنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» . فجعل إحدى الذكاتين نائبة عن الأخرى، و قائمة مقامها. فإن قيل: إنما أراد التشبيه دون النيابة، فيكون المعنى ذكاة الجنين كذكاة أمه، لأنه قدم الجنين على الأم فصار تشبيها بالأم، و لو أراد النيابة لقدم الأم على الجنين إنما يطلق عليه ما دام مستجنا في بطن أمه، فأما إذا انفصل، فإن الاسم يزول عنه و يسمى ولدا قال اللّه تعالى: وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهََاتِكُمْ [٣] و هو في بطن الأم لا يقدر عليه، فوجب حمله على النيابة دون التشبيه. الثاني أنه لو أراد التشبيه دون النيابة، لساوى الأم غيرها، و لم يكن لخصوصية التشبيه بالأم فائدة. الثالث أنه لو أراد التشبيه لنصب ذكاة الأم بحذف كاف التشبيه و الروايتان إنما هما برفع ذكاة أمه فثبت أنه أراد النيابة دون التشبيه، فإن قيل: فقد روي ذكاة أمه بالنصب و معناها كذكاة أمه، فالجواب أن هذه الرواية غير صحيحة و لو سلمت كانت محمولة على نصبها بحذف الياء الموحدة دون الكاف. و يكون معناه ذكاة الجنين بذكاة أمه، و لو احتمل الأمرين لكانتا مستعملتين فتستعمل الرواية المرفوعة في النيابة، إذا خرج ميتا، و الرواية المنصوبة في التشبيه إذا خرج حيا فيكون أولى من استعمال إحدى الروايتين و ترك الأخرى. و يدل عليه أيضا نص لا يحتمل التأويل، و هو ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قلت: يا رسول اللّه إنا ننحر الناقة و نذبح البقرة و الشاة و في بطونها الجنين أ نلقيه أم نأكله؟فقال عليه الصلاة و السلام: «كلوه إن شئتم فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه» [٤] . و استدل الشيخ أبو محمد كما قال الرافعي بأنه لو لم يحل الجنين بذكاة الأم، لما جاز ذبح الأم مع ظهور الحمل. كما لا تقتل الحامل قصاصا و لا حدا. فألزم عليه ذبح رمكة في بطنها بغلة، فمنع ذبحها. و الرمكة أنثى الخيل، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى و هي مأكولة، و البغل لا يؤكل، إذا ثبت هذا فاعلم أن للجنين ثلاثة أحوال ذكرها الماوردي: أحدها أن يكون كاملا كما سبق، ثانيها أن يكون علقة فهذا غير مأكول، لأن العلقة دم، ثالثها أن يكون مضغة، قد انعقد لحمه و لم تبن صورته، و لم تتشكل أعضاؤه، ففي إباحة أكله وجهان: من اختلاف قوليه في وجوب الغرة كونها أم ولد، قال الماوردي، و قال بعض أصحابنا: إذا نفخ فيه الروح لم يؤكل، و إلا أكل، و هذا مما لا سبيل إلى إدراكه و لو خرج الجنين و به حياة مستقرة، اشترط ذبحه أو غير مستقرة حل بغير ذكاة. و لو خرج رأسه ثم ذكيت الأم قال القاضي و البغوي:
[١] رواه ابن ماجة في الأطعمة: ٣١، و ابن حنبل: ٢-٩٧.
[٢] سورة المائدة: الآية ١.
[٣] سورة النجم: الآية ٣٢.
[٤] رواه أبو داود في الأضاحي: ١٨. و الترمذي في الصيد: ١٠. و ابن ماجة في الذبائح: ١٥. و رواه الدارمي في الأضاحي: ١٨، و ابن حنبل: ٣-٣١.