حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢١ - الأسد
من معشر حبهم دين و بغضهمو # كفر و قربهمو منجى و معتصم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم # أو قيل من خير أهل الأرض قيل همو
لا يستطيع جواد بعد غايتهم # و لا يدانيهمو قوم و إن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت # و الأسد أسد الشرى و البأس محتدم
لا ينقص العسر بسطا من أكفهم # سيان ذلك إن أثروا و إن عدموا
مقدم بعد ذكر اللّه ذكرهمو # في كل بدء و مختوم به الكلم
أي الخلائق ليست في رقابهم # لأولية هذا أوله نعم
من يعرف اللّه يعرف أولية ذا # فالدين من بيت هذا ناله الأمم
فغضب هشام على الفرزدق، و أمر بحبسه، فأنفذ له زين العابدين اثني عشر ألف درهم فردّها و قال: مدحته للّه تعالى لا للعطاء؛ فأرسل إليه زين العابدين و قال له: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده، و اللّه عزّ و جلّ يعلم نيتك و يثيبك عليها فشكر اللّه لك سعيك، فلما بلغته الرسالة قبلها.
و الفرزدق، اسمه همام بن غالب، و الفرزدق لقب غلب عليه، و الفرزدق قطع العجين، الواحدة فرزدقة و إنما لقب به لأنه أصابه جدري و برئ منه فبقي وجهه جهما محمرا منتفخا، و قيل لقب به لغلظه و قصره. و قال ابن خلكان و محمد بن سفيان: أحد أجداد الفرزدق هو أحد الثلاثة الذي سموا بمحمد في الجاهلية، فإنه لا يعرف أحد سمي بهذا الإسم قبله صلى اللّه عليه و سلم إلاّ ثلاثة كان آباؤهم قد وفدوا على بعض الملوك، و كان عنده علم من الكتاب الأول فأخبرهم بمبعث النبي صلى اللّه عليه و سلم و باسمه، و كان كل منهم قد خلف زوجته حاملا، فنذر كل منهم إن ولد له ذكر، أن يسميه محمدا، ففعلوا ذلك. و هم محمد بن سفيان بن مجاشع جد الفرزدق، و الآخر محمد بن أحيحة بن الجلاح أخو عبد المطلب لأمه، و الآخر محمد بن حمران بن ربيعة و أما أحمد فلم يتسم به أحد قبله صلى اللّه عليه و سلم.
فائدة: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح قال: حدثنا الليث قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن أبيه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال [١] : «لما حمل نوح عليه السلام، في السفينة، من كل زوجين اثنين، قال له أصحابه: و كيف نطمئن أو تطمئن مواشينا و معنا الأسد؟. فسلط اللّه عليه الحمى، فكانت أول حمى نزلت في الأرض، فهو لا يزال محموما. ثم شكوا الفأرة، فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا و شرابنا و متاعنا، فأوحى اللّه تعالى إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه، فتخبأت الفأرة منها» . و هذا مرسل.
و في الحلية لأبي نعيم في ترجمة وهب بن منبه أنه قال لما أمر نوح عليه السلام، أن يحمل من كل زوجين اثنين قال يا رب كيف أصنع بالأسد و البقر؟و كيف أصنع بالعناق [٢] و الذئب؟و كيف
[١] رواه الإمام أحمد: ٦، ٢٨٥. و فيه أنه أمر بقتل الفأرة.
[٢] العناق: الأنثى من أولاد المعز.