حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٩ - منهج التحقيق
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الذي شرف نوع الإنسان، بالأصغرين: القلب و اللسان، و فضله على سائر الحيوان بنعمتي المنطق و البيان، و رجحه بالعقل الذي وزن به قضايا القياس في أحسن ميزان، فأقام على وحدانيته البرهان. أحمده حمدا يمدنا بمواد الإحسان، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له الذي لا يدرك كنه ذاته بالحدود و الرسوم ذوو الأذهان، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله المخصوص بالآيات البينات كل البيان، صلّى اللّه عليه و سلم و على آله و صحبه، صلاة و سلاما يدومان ما دام الملوان، و يبقيان في كل زمان و أوان.
و بعد، فهذا كتاب لم يسألني أحد تصنيفه، و لا كلفت القريحة تأليفه، و إنما دعاني إلى ذلك أنه وقع في بعض الدروس، التي لا مخبأ فيها لعطر بعد عروس، ذكر مالك الحزين و الذيخ المنحوس، فحصل في ذلك ما يشبه حرب البسوس، و مزج الصحيح بالسقيم، و لم يفرق بين نسر و ظليم، و تحككت العقرب بالأفعى، و استنت الفصال حتى القرعى، و صيروا الأروى مع النّعام ترعى، و قضوا باجتماع الحوت و الضب قطعا، و اتخذ كل أخلاق الضبع طبعا، و لبس [١] جلد النمر أهل الإمامة، و تقلدها الجميع طوق الحمامة.
و القوم إخوان و شتى في الشيم # و قيل في شأنهم: اشتدي زيم [٢]
و ظن الكبير أنه «أصدق من القطا [٣] و أن الصغير كالفاختة غلطا، و صار الشيخ الأفيق، كذات التحيين و المعبد ذو التحقيق كالراجع بخفي حنين [٤] و المقيد كالأشقر تحيرا، و الطالب كالحباري تحسرا، و المستمع يقول: كل الصيد في جوف الفرا [٥] و النقيب كصافر يكرر «أطرق كرا» [٦] فقلت عند ذلك في بيته يؤتى الحكم، و بإعطاء القوس باريها [٧] تتبين الحكم، و في الرهان سابق الخيل يرى، «و عند الصباح يحمد القوم السّرى» [٨] و استخرت اللّه تعالى و هو الكريم
[١] لبس جلد النمر:
كناية عن المجاهرة بالعداوة.
[٢] زيم: اسم فرس.
[٣] جمهرة الأمثال: ١/٤٧٩.
[٤] يضرب لمن يرجع خائبا.
[٥] جمهرة الأمثال: ٢/١٣٥.
[٦] جمهرة الأمثال: ١/١٥٨.
[٧] جمهرة الأمثال: ١/٦٦.
و المثل: أعط القوس باريها.
[٨] جمهرة الأمثال: ٢/٣٨.