حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٤٣ - التيس
روحا، فدخل على عبد الملك و قال: يا أمير المؤمنين انظر ما ذا جرى علي اليوم من الحجاج!فقال:
و ما ذاك؟قال: قتل غلماني و عرقب خيلي و أحرق فساطيطي فأمر بإحضار الحجاج، فلما حضر قال له عبد الملك: ويلك ما ذا فعلت اليوم مع سيدك روح بن زنباع؟فقال له: يا أمير المؤمنين إن يدي يدك و سوطي سوطك و ما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح عوض الغلام غلامين، و الفرس فرسين، و الفسطاط فسطاطين، و لا يسكرني في العسكر. فقال له: افعل، فتم للحجاج ما يريد و قوي من ذلك اليوم أمره، و عظم شره. و كان هذا أول ما عرف من كفاءته. و للحجاج أخبار كثيرة و خطب بليغة: قال المبرد في الكامل: حدثني التوزي بإسناده عن عبد الملك بن عمير الليثي قال: بينما أنا في المسجد الجامع بالكوفة، و أهل الكوفة يومئذ ذوو حالة حسنة، يخرج الرجل منهم في العشرة و العشرين من مواليه إذ قيل: قدم الحجاج أميرا على العراق، فنظرت فإذا به قد دخل المسجد معتما بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه، متقلدا سيفا متنكبا قوسا، يؤم المنبر فمال الناس نحوه، فصعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم فقال الناس بعضهم لبعض: قبح اللّه بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق!فقال عمير بن ضابئ البرجمي [١] : أ لا أحصبه لكم؟فقيل: أمهل حتى ننظر. فلما رأى الحجاج أعين الناس ترمقه، حسر اللثام عن وجهه و نهض قائما ثم حمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على النبي صلى اللّه عليه و سلم ثم قال [٢] :
أنا ابن جلا و طلاع الثنايا # متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال يا أهل الكوفة إني لأرى رءوسا قد أينعت و حان قطافها و إني لصاحبها، و كأني أنظر إلى الدماء بين العمائم و اللحى.
هذا أوان الشر فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم [٣]
ليس براعي إبل و لا غنم # و لا بجزار على ظهر و ضم
ثم قال:
قد لفها الليل بعصلبي # أروع خراج من الدوي [٤]
مهاجر ليس بأعرابي # معاود للطعن بالخطّي [٥]
ثم قال أيضا:
قد شمرت عن ساقها فشدوا # و جدّت الحرب بكم فجدّوا
و القوس فيها وتر عردّ # مثل ذراع البكر أو أشد
[١] هو عمير بن ضابئ بن الحارث البرجمي، شاعر، من سكان الكوفة، و كان من الذين حاصروا عثمان بن عفان، و علم الحجاج ذلك فأمر به فقتل سنة ٧٥ هـ-.
[٢] البيت في وفيات الأعيان: ١/١٦٥ و نسبته إلى سحيم بن وثيل الرياحي.
[٣] الزّيم: الغارة. و اسم فرس. و الشطر الأول يجري مجرى المثل. جمهرة الأمثال: ٢/٢٨٤.
[٤] عصلبي: من العصلوب و هو القوي.
[٥] الخطي: الرمح.