حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٩٠ - فائدة
بيضة نمش و لمع و السبب في اختلاف ذلك لا يعرف، و داخله شيء كالصديد، و هو في جوفها منضد طولا على خط واحد، و ليس للحيات سفاد يعرف، و إنما هو التواء بعضها على بعض و لسانها مشقوق فيظن بعض الناس أن لها لسانين. و توصف بالنهم و الشره، لأنها تبتلع الفراخ من غير مضغ كما يفعل الأسد، و من شأنها أنها إذا ابتلعت شيئا له عظم أتت شجرة أو نحوها، فتلتوي عليها التواء شديدا حتى يتكسر ذلك في جوفها. و من عادتها أنها إذا نهشت انقلبت، فيتوهم بعض الناس أنها فعلت ذلك لتفرغ سمها، و ليس كذلك. و من شأنها أنها إذا لم تجد طعاما عاشت بالنسيم، و تقتات به الزمن الطويل، و تبلغ الجهد من الجوع فلا تأكل إلا لحم الشيء الحي و هي إذا كبرت، صغر جسمها و اقتنعت بالنسيم، و لم تشته الطعام. و من غريب أمرها، أنها لا تريد الماء و لا ترده إلا أنها لا تضبط نفسها عن الشرب، إذا شمته لما في طبعها من الشوق إليه فهي إذا وجدته شربت منه حتى تسكر. و ربما كان السكر سبب هلاكها. و الذكر لا يقيم بموضع واحد و إنما تقيم الأنثى على بيضها حتى تخرج فراخها، و تقوى على الكسب، ثم تخرج هي سائرة، فإن وجدت حجرا انسابت فيه، و عينها لا تدور في رأسها، بل كأنها مسمار مضروب في رأسها، و كذلك عين الجراد، و إذا قلعت عادت، و كذلك نابها إذا قلع عاد بعد ثلاثة أيام، و كذلك ذنبها إذا قطع نبت. و من عجيب أمرها أنها تهرب من الرجل العريان و تفرح بالنار و تطلبها، و تتعجب من أمرها، و تحب اللبن حبا شديدا. و إذا ضربت بسوط مسه عرق الخيل، ماتت و تذبح فتبقى أياما لا تموت و قد تقدم أنها إذا عميت، أو خرجت من تحت الأرض، لا تبصر طلبت الرازيانج [١]
الأخضر، فتحك به بصرها فتبصر، فسبحان من قدر فهدى، قدر عليها العمى و هداها إلى ما يزيله عنها، و ليس شيء في الأرض مثل الحية إلا و جسم الحية أقوى منه، و لذلك إذا أدخلت صدرها في حجر أو صدع لم يستطع أقوى الناس إخراجها منه، و ربما تقطعت و لا تخرج و ليس لها قوائم، و لا أظفار تشبث بها و إنما قوي ظهرها، هذه القوة لكثرة أضلاعها، فإن لها ثلاثين ضلعا و إذا مشت مشت على بطنها، فتتدافع أجزاؤها و تسعى بذلك الدفع الشديد، و الحيات في أصل الطبع مائية و تعيش في البحر، بعد أن كانت برية، و في البر بعد أن كان بحرية. قال الجاحظ:
الحيات ثلاثة أنواع: نوع منها لا ينفع للسعته ترياق، و لا غيره كالثعبان، و الأفعى و الحية الهندية، و نوع منها ينفع في لسعته الدرياق و ما كان سواهما مما يقتل فإنما يقتل بواسطة الفزع، كما حكي أن شخصا نام تحت شجرة، فتدلت عليه حية فعضت رأسه، فانتبه محمر الوجه، و حك رأسه و تلفت فلم ير أحدا فلم يرتب بشيء، و وضع رأسه و نام، فلما كان بعد ذلك بمدة، قال له بعض من رآها: هل علمت مم كان انتباهك تحت الشجرة؟قال: لا، و اللّه ما علمت. قال: إنما كان من حية تدلت عليك فعضت رأسك فلما قمت فزعا تقلصت ففزع فزعة فاضت فيها نفسه.
قال: فهم يزعمون أن الفزع هو الذي هيج السم و فتح مسام البدن، حتى مشى السم فيه انتهى.
فائدة
: في النصائح لابن ظفران خالد بن الوليد رضي اللّه تعالى عنه، لما تحصن منه أهل الحيرة بالقصر الأبيض و غيره من حصونهم، نزل بالنجف و أرسل إليهم: إن ابعثوا إلي رجلا من عقلائكم، فأرسلوا إليه عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن نفيلة الغساني و كان من
[١] الرازيانج: ضرب من النبات.