حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٤٩ - فائدة أخرى
أبو الحارث السياف، و لطمه لطمة هشم وجهه و أنفه فصاح الشبلي و مزق ثيابه و غشي على أبي الحسن الواسطي و على جماعة من المشايخ المشهورين. و كان الحلاج يقول: اعلموا أن اللّه قد أباح لكم دمي، فاقتلوني ليس للمسلمين اليوم شغل أهم من قتلي. و قال: إن قتلي قيام بالحدود و وقوف مع الشريعة و من تجاوز الحدود أقيمت عليه الحدود. قلت: و قد اضطرب الناس في أمره اضطرابا كبيرا متباينا فمنهم من يعظمه و منهم من يكفره. و قد ذكر الإمام قطب الوجود حجة الإسلام في كتاب مشكاة الأنوار و مصفاة الأسرار فصلا مطوّلا في أمره و اعتذر عن إطلاقاته كقوله: أنا الحق و ما في الجبة إلا اللّه و حملها كلها على محامل حسنة، و قال: هذا من فرط المحبة و شدة الوجد و هو مثل قول القائل [١] :
أنا من أهوى و من أهوى أنا # فإذا أبصرته أبصرتنا
و حسبك هذا مدحة و تزكية و كان ابن شريح إذا سئل عنه يقول: هذا رجل قد خفي على حاله و ما أقول فيه. و هذا شبيه بكلام عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى و قد سئل عن علي و معاوية رضي اللّه تعالى عنهما فقال: دماء طهر اللّه منها سيوفنا، أ فلا نطهر من الخوض فيهم ألسنتنا؟و هكذا ينبغي لمن يخاف اللّه أن لا يكفر أحدا من أهل القبلة بكلام يصدر عنه يحتمل التأويل على الحق و الباطل. فإن الإخراج من الإسلام عظيم و لا يسارع به إلا جاهل.
و يحكى عن شيخ العارفين قطب الزمان عبد القادر الجيلاني قدس اللّه سره أنه قال: عثر الحلاج و لم يكن له من يأخذ بيده و لو أدركت زمانه لأخذت بيده و هذا و ما سبق عن الإمام الغزالي في أمره كاف لمن له أدنى فهم و بصيرة و سمي الحلاج لأنه جلس يوما على حانوت حلاج و استقضاه حاجة فقال له الحلاج أنا مشتغل بالحلج. فقال له: امض في حاجتي حتى أحلج عنك فمضى الحلاج في حاجته، فلما عاد وجد قطنه كله محلوجا، و كان لا يحلجه عشرة رجال في أيام متعددة.
فمن ثم قيل له الحلاج. و قيل إنه كان يتكلم على الأسرار و يخبر عنها، فسمي حلاج الأسرار و كان من أهل البيضاء بليدة بفارس و اسمه الحسين بن منصور و اللّه أعلم.
و ذكر ابن خلكان و غيره أن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه ولي محمد بن أبي بكر الصديق مصر، فدخلها سنة سبع و ثلاثين و قام بها إلى أن بعث معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص في جيوش أهل الشام، و معهم معاوية بن حديج، بحاء مهملة مضمومة و دال مهملة مفتوحة و بالجيم في آخره كذا ضبطه ابن السمعاني في الأنساب و ابن عبد البر و ابن قتيبة و غيرهم.
و وقع في كثير من نسخ تاريخ ابن خلكان معاوية بن خديج بخاء معجمة و دال مكسورة و آخره جيم و هو غلط. و الصواب ما تقدم و أصحابه أي أصحاب معاوية بن خديج فاقتتلوا فانهزم محمد بن أبي بكر و اختبأ في بيت مجنونة فمر أصحاب معاوية بن خديج بالمجنونة و هي قاعدة على
[١] وفيات الأعيان: ٢/١٤١. و هما بيتان، و في هامشه إلى انهما في ديوان الحلاج: ٩٣:
أنا من أهوى و من أهوى أنا # نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته # و إذا أبصرته أبصرتنا