حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١١٧ - خلافة أبي إسحاق ابراهيم المعتصم
يوم موت أخيه بعهد منه فأمر بهدم ما بنوا من طوانة و غزا عمورية و أناخ عليها و حاصرها حصارا شديدا. و لم يكن في بني العباس مثله في القوة و الشجاعة و الإقدام قيل إنه أصبح ذات يوم برد عظيم و ثلج فلم يقدر أحد على إخراج يده و لا امساك قوسه فأوتر المعتصم في ذلك اليوم أربعة آلاف قوس، و لم يزل يحاصرها حتى فتحها عنوة و احتوى على ما فيها من الأموال و غيرها، و أخذ أهلها أسرى.
و لما ولي طلب الإمام أحمد، و كان في سجن المأمون كما تقدم، و امتحنه بخلق القرآن كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى. و تلخيص ما كان من أمره أن هارون الرشيد لم يقل بخلق القرآن مدة خلافته، و لهذا السبب كان الفضيل بن عياض يتمنى طول عمر الرشيد، لأنه و اللّه أعلم، كان قد كشف له بأن فتنة تحدث بعد موت الرشيد، و لم تحدث في أيام خلافته فتنة، و لكن كان الأمر في زمن ولايته بين أخذ و ترك، كما قدمنا قريبا إلى أن ولي ابنه المأمون، فقال بخلق القرآن، و بقي يقدم رجلا و يؤخر أخرى في دعواه الناس إلى ذلك، إلى أن قوي عزمه في السنة التي مات فيها، فمل الناس على القول بخلق القرآن. و كل من لم يقل بخلقه عاقبه أشد عقوبة. و إنه طلب الإمام أحمد بن حنبل، و جماعة فحمل إليه الإمام أحمد فلما كان ببعض الطريق، توفي المأمون و عهد إلى أخيه المعتصم بالخلافة و أوصاه بأن يحمل الناس على القول بخلق القرآن، و استمر الإمام أحمد محبوسا إلى أن بويع المعتصم، فأحضر الإمام أحمد إلى بغداد، و عقد له مجلسا للمناظرة و فيه عبد الرحمن بن إسحاق، و القاضي أحمد بن أبي دؤاد، و غيرهما فناظروه ثلاثة أيام، و لم يزل معهم في جدال، إلى اليوم الرابع، فأمر بضربه، فضرب بالسياط و لم يزل عن الصراط، إلى أن أغمي عليه، و نخسه عجيف بالسيف، و رمي عليه بارية و ديس عليه، ثم حمل و صار إلى منزله و كانت مدة مكثه في السجن ثمانية و عشرين شهرا، و لم يزل بعد ذلك يحضر الجمعة و الجماعات و يفتي و يحدث إلى أن مات المعتصم و ولي الواثق، فأظهر ما أظهره المأمون و المعتصم من المحنة، و قال للإمام أحمدا: لا تجمعن إليك أحدا و لا تساكني في بلد أنا فيه، فأقام الإمام أحمد مختفيا، لا يخرج إلى صلاة و لا غيرها، حتى مات الواثق و ولي المتوكل، فرفع المحنة و أمر بإحضار الإمام أحمد، و إكرامه و إعزازه و أطلق له مالا كثيرا فلم يقبله، و فرقه على الفقراء و المساكين. و أجرى المتوكل على أهله و ولده في كل شهر أربعة آلاف درهم، فلم يرضى الإمام أحمد بذلك رحمه اللّه تعالى و ذكر العراقي في مجمع الأخبار و غيره أنه نوظر في الأيام الثلاثة، و أن المعتصم كان يخلو به و يقول له:
ويحك يا أحمد أنا و اللّه عليك شفيق، و إني لا شفق عليك مثل شفقتي على ابني هارون يعني الواثق فأجبني فو اللّه لئن أجبتني لاطلقن غلك بيدي، و لأطأن عتبتك، و لأركبن إليك بجندي. فيقول:
يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب اللّه تعالى أو سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فإذا طال به المجلس، ضجر و قام و رد أحمد في الموضع الذي كان فيه. و تتردد إليه رسل المعتصم يقولون: يا أحمد، أمير المؤمنين يقول لك: ما تقول في القرآن؟فيرد عليهم كما رد أولا. فلما كان في اليوم الثالث، طلب للمناظرة فأدخل على المعتصم، و عنده محمد بن عبد الملك الزيات، و القاضي أحمد بن أبي دؤاد، فقال المعتصم: كلموه و ناظروه فلم يزالوا في جدال إلى أن قالوا: يا أمير المؤمنين اقتله و دمه في أعناقنا. فرفع المعتصم يده و لطم بها وجه الإمام أحمد، فخر مغشيا عليه، فتمعرت وجوه قواد خراسان، و كان عم أحمد فيهم، فخاف الخليفة منهم على نفسه فدعا بماء ورش على وجهه، فلما