حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٧٥ - الدود
لنا به طاقة فشخصت إليه في أثنى عشر ألف قيل تحت يد كل قبل ألوف.
و أما دود القز فيقال لها الدودة الهندية، و هي من أعجب المخلوقات، و ذلك إنه يكون أولا بزرا من قدر حب التين، ثم يخرج من الدود عند فصل الربيع، و يكون عند الخروج أصغر من الذر، و في لونه و يخرج من الأماكن الدافئة من غير حضن، إذا كان مصرورا مجعولا في حق، و ربما تأخر خروجه فتصره النساء و تجعله تحت ثديهن، و إذا خرج أطعم ورق التوت الأبيض، و لا يزال يكبر و يعظم إلى أن يصير في قدر الإصبع، و ينتقل من السواد إلى البياض أولا فأولا، و ذلك في مدة ستين يوما على الأكثر، ثم يأخذ في النسج على نفسه بما يخرجه من فيه إلى أن ينفد ما في جوفه منه. و يكمل عليه ما يبنيه إلى أن يصير كهيئة الجوزة، و يبقى فيه محبوسا قريبا من عشرة أيام، ثم ينقب عن نفسه تلك الجوزة، فيخرج منها فراش أبيض له جناحان، لا يسكنان من الاضطراب، و عند خروجه يهيج إلى السفاد، فيلصق الذكر ذنبه بذنب الأنثى و يلتحمان مدة، ثم يفترقان، و تبزر الأنثى البزر الذي تقدم ذكره على خرق بيض، تفرش له قصدا إلى أن ينفد ما فيها منه، ثم يموتان هذا إن أريد منهما البزر و إن أريد الحرير ترك في الشمس بعد فراغه من النسج، بعشرة أيام يوما بعض يوم فيموت. و فيه من أسرار الطبيعة أنه يهلك من صوت الرعد، و ضرب الطست و الهاون و من شم الخل و الدخان و مس الحائض و الجنب. و يخشى عليه من الفأر و العصفور و النمل و الوزغ و كثرة الحر و البرد و قد ألغز فيه بعض الشعراء فقال:
و بيضة تحضن في يومين # حتى إذا دبت على رجلين
و استبدلت بلونها لونين # حاكت لها خيسا بلا نيرين
بلا سماء و بلا بابين # و نقبته بعد ليلتين
فخرجت مكحولة العينين # قد صبغت بالنقش حاجبين
قصيرة ضئيلة الجنبين # كأنها قد قطعت نصفين
لها جناح سابع النبردين # ما نبتا إلا لقرب الحين
إن الردى كحل لكل عين
قال الإمام أبو طالب المكي [١] ، في كتابه قوت القلوب: و قد مثل بعض الحكماء ابن آدم بدود القز، لا يزال ينسج على نفسه، من جهله حتى لا يكون له مخلص، فيقتل نفسه و يصير القز لغيره، و ربما قتلوه إذا فرغ من نسجه، لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج عنه فيشمس، و ربما غمز بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز ليخرج القز صحيحا. فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله و ماله و تتنعم ورثته بما شقي هو به فإن أطاعوا به، كان أجره لهم، و حسابه عليه، و إن عصوا به كان شريكهم في المعصية لأنه أكسبهم إياها به، فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم إذهابه عمره لغيره، أو نظره إلى ماله في ميزان غيره؟انتهى. و قد أشار إلى ذلك أبو الفتح البستي [٢]
بقوله:
[١] مكي بن أبي طالب حموش بن محمد الأندلس. مقرئ عالم بالعربية و التفسير. مات سنة ٤٣٧. من أهل القيروان، طاف في بلاد المشرق و عاد إلى موطنه. له تصانيف كثيرة.
[٢] البستي: علي بن محمد، أبو الفتح البستي. وفاته سنة ٤٠٠ هـ-. شاعر رقيق.