حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٧٤ - الدود
فبكى المتوكل و الحاضرون. ثم قال له المتوكل: يا أبا الحسن هل عليك دين؟قال: نعم أربعة آلاف درهم، فأمر له بها و صرفه مكرما. فلما كثرت السعاية به عند المتوكل أحضره المدينة، و أقره بسر من رأى، و تدعى العسكر لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره، فقيل لها:
العسكر، فأقام بها عشرين سنة و تسعة أشهر، و لهذا قيل له العسكري. و توفي في جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و مائتين، و هو أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية رضي اللّه تعالى عنه و عن آبائه الكرام. و الدود أنواع كثيرة يدخل فيها الأساريع و الحلم و الأرضة و دود الخل و الزبل، و دود الفاكهة و دود القز و الدود الأخضر الذي يوجد في شجر الصنوبر، و هو في القوة و الفعل كالذراريح، و كله معروف و منه ما يتولد في جوف الإنسان. و روى ابن عدي بسند فيه عصمة بن محمد بن فضالة عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «كلوا التمر على الريق فإنه يقتل الدود [١] » . و قالت الحكماء: شرب الوخشيرق يرمي الدود من البطن، و ورق الخوخ إذا ضمدت السرة به قتل ديدان البطن. روى البيهقي في الشعب، عن صدقة بن يسار أنه قال:
دخل داود عليه الصلاة و السلام في محرابه، فأبصر دودة صغيرة فتفكر في خلقها، و قال: ما يعبأ اللّه بخلق هذا الدودة، فأنطقها اللّه فقالت: يا داود أ تعجبك نفسك؟لأنا على قدر ما أتاني اللّه، أذكر للّه و أشكر له منك، على ما آتاك اللّه. قال اللّه تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [٢] و أما دود الفاكهة فذكر الزمخشري في تفسير قوله [٣] تعالى: وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ الآية أنها بعثت خمسمائة غلام، عليهم ثياب الجواري و حليهن، و خمسمائة جارية على زي الغلمان، كلهم على سروج الذهب و الخيل المسومة، و ألف لبنة من ذهب و فضة، و تاجا مكللا بالدر و الياقوت و المسك و العنبر، و حقا فيه درة يتيمة و خرزة مثقوبة معوجة الثقب، و بعثت برجلين من أشراف قومها المنذر بن عمرو و آخر ذي رأي و عقل. و قالت: إن كان نبيا ميز بين الغلمان و الجواري، و ثقب الدرة ثقبا مستويا، و سلك في الخرزة خيطا ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان، فهو ملك فلا يهولنك أمره، و إن رأيت شيئا لطيفا فهو نبي، فأعلم اللّه نبيه سليمان بذلك، فأمر الجن فضربوا لبن الذهب و الفضة، و فرشت في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، و جعلوا حول الميدان حائطا، شرفة من ذهب و شرفة من فضة، و أمر بأحسن الدواب في البر و البحر فربطوها، عن يمين الميدان و يساره على اللبن، و أمر بأولاد الجن، و هم خلق كثير، فاقيموا على اليمين و اليسار، ثم قعد على كرسيه، و الكراسي عن يمينه و يساره، و اصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، و الجن صفوفا فراسخ، و الإنس صفوفا فراسخ، و الوحش و السباع و الطيور و الهوام كذلك، فلما دنا القوم، نظروا فرأوا الدواب تروث على لبنات الذهب و الفضة، فرموا بما معهم منها، فلما وقفوا بين يديه، نظر إليهم بوجه طلق، ثم قال: أين الحق الذي فيه كذا و كذا؟فقدموه بين يديه فأمر الأرضة، فأخذت شعرة و نفدت فيها، فجعل رزقها في الشجر، و أخذت دودة بيضاء بفيها الخيط، و نفذت فيها فجعل رزقها في الفواكه، و دعا بالماء، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها، فتجعله في الأخرى، ثم تضرب به وجهها، و الغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم ردا الهدية، و قال للمنذر: ارجع إليهم. فلما رجع و أخبرها الخبر قالت: هو نبي و ما
[١] الكامل لابن عدي ٥/٢٠٠٩.
[٢] سورة الإسراء: الآية ٤٤.
[٣] سورة النمل: الآية ٣٥.