حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٠٣ - خلافة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه
تذكر به عليا على المنابر، و جعل مكان ذلك قوله تعالى إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ الآية و قال [١] فيه كثير عزة:
ولّيت و لم تسبب عليا و لم تخف # مريبا و لم تقبل مقالة مجرم [٢]
و صدّقت القول الفعال مع الذي # أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم [٣]
فما بين شرق الأرض و الغرب كلها # مناد ينادي من فصيح و أعجم
يقول أمير المؤمنين ظلمتني # بأخذك ديناري و أخذك درهمي [٤]
فأربح بها من صفقة لمبايع # و أكرم بها من بيعة ثم أكرم [٥]
و كتب إلى عماله أن لا يقيدوا مسجونا بقيد، فإنه يمنع من الصلاة. و كتب إلى عامله بالبصرة عدي بن ارطاة: عليك بأربع ليال من السنة، فإن اللّه تبارك و تعالى يفرغ فيها الرحمة إفراغا و هي أول ليلة من رجب، و ليلة النصف من شعبان، و ليلتا العيدين. و كتب إلى عماله: إذا دعتكم قدرتكم على الناس إلى ظلمهم، فاذكروا قدرة اللّه تعالى عليكم، و نفاد ما تأتون إليه و بقاء ما يأتي إليكم، من العذاب بسببهم. و ذكر غير واحد عن محمد المرزوي قال: أخبرت أن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، لما دفن سليمان بن عبد الملك، و خرج من قبره سمع للأرض هدة أو رجة، فقال: ما هذه؟فقيل: هذه مراكب الخلافة قربت إليك يا أمير المؤمنين لتركبها!فقال:
ما لي و لها نحّوها عني و قربوا إلي دابتي!فقربت إليه فركبها، فجاء صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة، جريا على عادة الخلفاء قبله، فقال له: تنح عني، ما لي و لك إنما أنا رجل من المسلمين، ثم سار مختلطا بين الناس حتى دخل المسجد، فصعد المنبر فاجتمع الناس إليه، فحمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر النبي صلى اللّه عليه و سلم، ثم قال: أيها الناس إني ابتليت بهذا الأمر من غير رأي مني فيه، و لا طلبة و لا مشورة من المسلمين، و إني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم غيري.
فصاح المسلمون صيحة واحدة قد اخترناك يا أمير المؤمنين، و رضيناك أميرنا باليمن و البركة. فلما سكتوا، حمد اللّه تعالى، و أثنى عليه، و صل على النبي صلى اللّه عليه و سلم، ثم قال:
أوصيكم بتقوى اللّه فإن تقوى اللّه تعالى خلف من كل شيء، و ليس من تقوى اللّه خلف، و اعملوا لآخرتكم، فإنه من عمل لآخرته كفاهه اللّه أمر دنياه و آخرته، و أصلحوا سرائركم يصلح اللّه علانيتكم، و أكثروا ذكر الموت، و احسنوا له الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنه هاذم اللذات، و إني و اللّه لا أعطي أحدا باطلا، و لا أمنع أحدا حقا.
[١] الأبيات في العقد الفريد: ٢/٨٨.
[٢] في العقد: و ليت فلم تشتم و لم تخف بريا...
[٣] في العقد: و صدّقت بالفعل المقال...
[٤] في العقد: بأخذ لدينار و لا أخذ درهم.
[٥] في العقد: و أعظم بها أعظم بها ثم أعظم.