حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٠٤ - خلافة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه
يا أيها الناس، من أطاع اللّه، وجبت طاعته، و من عصى اللّه فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت اللّه، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.
ثم نزل و دخل دار الخلافة، فأمر بالستور فهتكت، و بالبسط فرفعت، و أمر ببيع ذلك، و ادخال أثمانه في بيت المسلمين، ثم ذهب يتبوأ مقيلا، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: ما تريد أن تصنع يا أبتاه؟قال: إي بني أقيل: قال: تقيل و لا ترد المظالم، قال: إي بني إني قد سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظهر، رددت المظالم. فقال: يا أمير المؤمنين، من أين لك أن تعيش إلى الظهر؟فقال: أدن مني يا بني، فدنا منه فقبله بين عينيه، و قال: الحمد للّه الذي أخرج من ظهري من يعينني على ديني. فخرج و لم يقل، و أمر مناديه أن ينادي: ألا كل من كانت له مظلمة فليرفعها، فتقدم إليه ذمي من أهل حمص فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب اللّه قال: و ما ذاك؟ قال: إن العباس [١] بن الوليد اغتصبني أرضي، و العباس جالس، فقال عمر: ما تقول يا عباس؟ قال: إن أمير المؤمنين الوليد أقطعني إياها، و هذا كتابه. فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب اللّه تعالى. فقال عمر: كتاب اللّه أحق أن يتبع من كتاب الوليد، اردد إليه أرضه يا عباس. فردها إليه ثم جعل لا يدع شيئا، مما كان في يد أهل بيته، من المظالم إلا رده مظلمة مظلمة. فلما بلغ الخوارج سيرته، و ما رد من المظالم اجتمعوا و قال: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل، و لما بلغ عمر [٢] بن الوليد رد الضيعة على الذمي، كتب إلى عمر بن عبد العزيز:
إنك قد أزريت على من كان قبلك من الخلفاء، و عبت عليهم، و سرت بغير سيرتهم، بغضا لهم و شينا لمن بعدهم من أولادهم، و قطعت ما أمر اللّه به أن يوصل، إذ عمدت إلى أموال قريش و مواريثهم، فأدخلتها بيت المال جورا و عدوانا، و لن تترك على هذا الحال و السلام. فلما قرأ كتابه، كتب إليه:
بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد السلام على المرسلين، و الحمد للّه رب العالمين. أما بعد فقد بلغني كتابك، أما أوّل شأنك يا ابن الوليد، فأمك بنانة أمة السكون، كانت تطوف في سوق حمص، و تدخل في حوانيتها، ثم اللّه أعلم بها. ثم اشتراها ذبيان، من بيت مال المسلمين، فأهداها لأبيك، فحملت بك فبئس المولود. ثم نشأت فكنت جبارا عنيدا، تزعم أني من الظالمين، إذ حرمتك و أهل بيتك، مال اللّه، الذي فيه حق القرابة و المساكين و الأرامل، و أنّ أظلم مني و أترك لعهد اللّه من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين، تحكم فيهم برأيك، و لم يكن له في ذلك نية إلا حب الوالد لولده، فويل لأبيك ما أكثر خصماءه يوم القيامة. و كيف ينجو أبوك من خصمائه؟و إن أظلم مني و أترك لعهد اللّه، من استعمل الحجاج يسفك الدم و يأخذ المال الحرام، و إن أظلم مني و أترك لعهد اللّه، من استعمل قرة أعرابيا جافيا، على مصر و أذن له في المعازف و اللهو و الشرب، و إن أظلم مني و أترك لعهد اللّه، من جعل لغالية البربرية في خمس العرب
[١] هو العباس بن الوليد بن عبد الملك.
[٢] هو عمر بن الوليد بن عبد الملك.