حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٨٢ - خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه
و هو عنه راض، و بشره بالجنة و دعا له بالخصوصية، غير مرة فأثرى و كثر ماله، و كانت له شفقة و رأفة، فلما ولي زاد تواضعه و شفقته و رأفته برعيته، و كان يطعم الناس طعام الإمارة و يأكل الخل و الزيت، و جهز جيش العسرة بتسعمائة و خمسين بعيرا بأحلاسها و أقتابها [١] ، و أتم الألف بخمسين فرسا، و قال قتادة: حمل عثمان رضي اللّه تعالى عنه على ألف بعير، و سبعين فرسا، و قال الزهري:
حمل على تسعمائة و أربعين بعيرا و ستين فرسا.
و عن حذيفة بن اليمان، قال [٢] : «بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى عثمان رضي اللّه تعالى عنه في تجهيز جيش العسرة، فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فصبت بين يديه فجعل صلى اللّه عليه و سلم يقلبها بيده، و يقول غفر اللّه لك يا عثمان، ما أسررت و ما أعلنت، و ما هو كائن إلى يوم القيامة» . و في رواية: «ما يضر عثمان ما فعل بعد اليوم و اشترى بئر رومة بخمسة و ثلاثين ألفا و سبلها» .
و له رضي اللّه تعالى عنه من الخيرات و أفعال البر ما يطول ذكره. قال ابن قتيبة و افتتح في أيامه الإسكندرية و سابور و إفريقية، و قبرس و سواحل الروم، و اصطخر الأخرى و فارس الأولى و خوزستان، و فارس الأخرى و طبرستان، و كرمان و سجستان، و الأساورة و إفريقية، من حصون قبرص و ساحل الأردن و مرو. و لما عمرت المدينة و صارت وافرة الأنام و قبة الإسلام، و كثرت فيها الخيرات و الأموال وجبى إليها الخراج، من الممالك و بطرت الرعية من كثرة الأموال و الخيل، و النعم، و فتحوا أقاليم الدنيا و اطمأنوا و تفرغوا، أخذوا ينقمون على خليفتهم عثمان رضي اللّه تعالى عنه، لأنه كان له أموال عظيمة، و كان له ألف مملوك و لكونه يعطي المال لأقاربه و يوليهم الولايات الجليلة، فتكلموا فيه إلى أن قالوا: هذا لا يصلح للخلافة و هموا بعزله و ثاروا لمحاصرته و جرت أمور يطول ذكرها فحاصروه في داره أياما و كانوا أهل جفاء، و رءوس شر، فوثب عليه ثلاثة فذبحوه في بيته، و المصحف بين يديه، و هو شيخ كبير، و كان ذلك أول وهن و بلاء على هذه الأمة بعد نبيهم صلى اللّه عليه و سلم فإنا للّه و إنا إليه راجعون. قتلوه قاتلهم اللّه، يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة الحرام سنة خمس و ثلاثين.
و مناقبه رضي اللّه تعالى عنه كثيرة جدا. شهد له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بالجنة و قال: أ لا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة و أخبر صلى اللّه عليه و سلم، بأنه شهيد و أنه يبتلى، و تفرقت الكلمة بعد قتله رضي اللّه تعالى عنه، و ماج الناس و اقتتلوا للأخذ بثاره حتى قتل من المسلمين تسعون ألفا، و قال ابن خلكان و غيره: لما بويع عثمان رضي اللّه تعالى عنه، نفى أبا ذر الغفاري [٣] رضي اللّه تعالى عنه إلى الربذة [٤] لأنه كان يزهد الناس في الدنيا ورد الحكم بن أبي العاص [٥] و كان قد نفاه
[١] الحلس: كساء على ظهر البعير. و القتب واحد الأقتاب: الإكاف الصغير على قدر سنام البعير.
[٢] رواه: ابن حنبل ٦/٤٩، ٦٣.
[٣] أبو ذر: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد، الغفاري الكناني، من كبار الصحابة دعا إلى مشاركة الأغنياء أموالهم لصالح الفقراء فنفاه عثمان إلى الربذة. مات سنة ٣٢ هـ-.
[٤] الرّبذة: موضع قرب المدينة المنورة.
[٥] الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، صحابي، نفاه النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى الربذة، و هو عمّ عثمان بن عفان الذي ردّه إلى المدينة. مات سنة ٣٢ هـ-.