حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٨٥ - البعوض
الصحراء، فتجتمع السباع حوله و الطير التي تأكل الجيف فمن أكل منها شيئا مات لوقته. و كان بعض الجبابرة من الملوك بالعراق يعذب بالبعوض، فيأخذ من يريد قتله فيخرجه مجردا إلى بعض الآجام التي بالبطائح و يتركه فيها مكتوفا، فيقتل في أسرع وقت، و أقرب زمان و ما أحسن قول أبي الفتح البستي [١] في هذا المعنى:
لا تستخفن الفتى بعداوة # أبدا و إن كان العدو ضئيلا
إن القذى يؤذي العيون قليله # و لربما جرح البعوض الفيلا
و ما ألطف ما قال بعضهم:
لا تحقرن صغيرا في عداوته # إن البعوضة تدمي مقلة الأسد
و نحوه قول أبي نصر السعدي [٢] :
و لا تحقرن عدوا رماك # و إن كان في ساعديه قصر
فإن الحسام يحز الرقاب # و يعجز عما تنال الإبر
و له أيضا و قيل إنه لجمال الدين بن مطروح [٣] :
يا من لبست عليه أثواب الضنا # صفرا موشحة بحمر الأدمع [٤]
أدرك بقية مهجة لو لم تذب # أسفا عليك رميتها عن أضلعي
و من محاسن شعره أيضا قوله [٥] :
لما وقفنا للوداع و صارما # كنا نظن من النوى تحقيقا
نثروا على ورق الشقائق لؤلؤا # و نثرت من ورق البهار عقيقا [٦]
و نحوه قول إبراهيم علي القيرواني صاحب [٧] زهر الأدب و غيره و كان كلفا بالمعذرين:
و معذرين كأن نبت خدودهم # أقلام مسك تستمد خلوقا
[١] أبو الفتح علي بن محمد الكاتب البستي الشاعر. صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس، مات سنة ٤٠٠ هـ- في بخارى.
[٢] أبو النصر السعدني، هو عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة السعدي الشاعر المدّاح و من أهم ممدوحيه سيف الدولة الحمداني. مات ببغداد سنة ٤٠٥ هـ-.
[٣] ابن مطروح: هو أبو الحسن يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين، الملقب جمال الدين من أهل صعيد مصر، اتصل بنجم الدين أيوب سلطان مصر. مات سنة ٦٤٩ هـ-.
[٤] في الوفيات: «... صفرا موشقة... » و «أسفا عليك نفيتها... » .
[٥] وفيات الأعيان: ٧/٥١.
[٦] في الوفيات: و نثرت من فوق.
[٧] و صاحب زهر الآداب هو إبراهيم الحصري بن علي بن تميم، أبو إسحاق القيرواني الشاعر المتوفى سنة ٤٥٣ هـ-.