حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٨٦ - البعوض
نظموا البنفسج بالشقيق و نضدوا # تحت الزبرجد لؤلؤا و عقيقا [١]
و روى [٢] الترمذي، و قال حديث حسن صحيح عن سهل بن سعد رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة، ما سقى منها كافرا شربة ماء» .
و كذلك رواه الحاكم و صححه.
و قال الشاعر في ذلك:
إذا كان شيء لا يساوي جميعه # جناح بعوض عند من كنت عبده
و أشغل جزء منه كلك ما الذي # يكون على ذا الحال قدرك عنده
و معنى هوان الدنيا على اللّه تعالى أنه سبحانه لم يجعلها مقصودة لنفسها، بل جعلها طريقا موصلة إلى ما هو المقصود بنفسه. و إنه لم يجعلها دار إقامة و لا جزاء إنما جعلها دار محنة و بلاء و إنه ملكها في الغالب الجهلة و الكفرة، و حماها الأنبياء و الأولياء و الأبدال. و حسبك بها هوانا على اللّه أنه سبحانه و تعالى، صغرها و حقرها و أبغضها، و أبغض أهلها و محبيها، و لم يرض لعاقل فيها، إلا بالتزود منها، و التأهب للارتحال عنها.
و يكفي في ذلك ما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللّه تعالى و ما والاه أو عالم أو متعلم» . و هو [٣] حديث حسن غريب. و لا يفهم من هذا اباحة لعن الدنيا و سبها مطلقا. لما روى أبو موسى الأشعري، رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير و بها ينجو من الشر، إن العبد إذا قال: لعن اللّه الدنيا قالت الدنيا لعن اللّه أعصانا لربه» . خرجه الشريف أبو القاسم زيد بن عبد اللّه بن مسعود الهاشمي و هذا يقتضي المنع من سب الدنيا و لعنها. و وجه الجمع بينهما أن المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدا عن ذكر اللّه و شاغلا عنه، كما قال بعض السلف كل ما يشغلك عن ذكر اللّه من مال و ولد فهو مشئوم عليك، و هو الذي نبه عليه اللّه تعالى بقوله [٤] : اِعْلَمُوا أَنَّمَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفََاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكََاثُرٌ فِي اَلْأَمْوََالِ وَ اَلْأَوْلاََدِ و أما ما كان من الدنيا، يقرب من اللّه و يعين على عبادته، فهو المحمود بكل لسان المحبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يسب، بل يرغب فيه و يحب، و إليه الإشارة بالاستثناء حيث قال: إلا ذكر اللّه و ما والاه أو عالم أو متعلم، و هو المصرح به في قوله «نعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير و بها ينجو من الشر» ، و بهذا يرتفع التعارض بين الحديثين و في الإحياء للغزالي في الباب السادس من أبواب العلم أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال [٥] : «إن العبد لينشر له من الثناء ما بين
[١] البيتان في وفيات الأعيان: ٧/٥٠ و فيه: «قرنوا البنفسج... » .
[٢] رواه الترمذي في الزهد: ١٣. و ابن ماجة من الزهد: ٣.
[٣] رواه الترمذي في الزهد: ١٤. و ابن ماجة في الزهد: ٣.
[٤] سورة الحديد: الآية ٢٠.
[٥] رواه البخاري في تفسير سورة: ١٨-٦. و مسلم في صفات المنافقين: ١٨. و رواه الترمذي في الزهد:
١٣، و ابن ماجة في الزهد: ٣.