حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٣ - الأسد
رأس أسد، نال ملكا و من رأى أنه يرعى أسدا فإنه يؤاخي ملكا ظالما. و من رأى أنه أخذ جرو أسد في حجره، فإن امرأته تضع غلاما، إن كانت حاملا، و إلاّ فإنه يحمل ولد أمير في حجره، كما عبره ابن سيرين رحمه اللّه. و من رأى أن أسدا قد زاره فإنه يمرض. و من رأى أن الأسد قد قتله، فإن كان عبدا فإنه يعتق، و إلاّ حصل له خوف من سلطان. و صوت الأسد يدل على تهدد من سلطان. و من رأى أن أسدا يتملق له، جرى على يديه أمور عجيبة و ربما دل على قهر عدوّ و اللّه أعلم.
تتمة: قال الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه: لو يعلم الناس، ما في علم الكلام، من الأهواء لفروا منه، فرارهم من الأسد. قال في الإحياء: فإن قلت تعلم الجدال و الكلام مذموم كتعلم النجوم، أو هو مباح أو مندوب إليه، فاعلم أن للناس في هذا غلوا و إسرافا، فمن قائل إنه بدعة و حرام، و إن العبد إن لقي اللّه تعالى بكل ذنب سوى الشرك، خير له من أن يلقاه بالكلام، و من قائل إنه واجب و فرض: إما على الكفاية، أو فرض عين و إنه من أفضل الأعمال، و أعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد، و نضال عن دين اللّه تعالى.
و ممن ذهب إلى التحريم الشافعي و مالك و الإمام أحمد و سفيان و أهل الحديث قاطبة، قال ابن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يوم ناظر حفصا الفرد، و كان من متكلمي المعتزلة يقول: لأن يلقى اللّه تبارك و تعالى العبد، بكل ذنب، ما خلا الشرك، خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام. و قال أيضا: قد اطلعت لأهل الكلام، على شيء ما ظننته قط، و لأن يبتلى العبد بكل ما نهى اللّه عنه، ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام. و حكى الكرابيسي أن الشافعي سئل عن شيء من الكلام فغضب و قال: يسأل عن هذا حفص الفرد و أصحابه أخزاهم اللّه. و لما مرض الشافعي رضي اللّه عنه دخل عليه حفص الفرد، فقال له من أنا؟فقال: أنت حفص الفرد لا حفظك اللّه و لا رعاك، حتى تتوب مما أنت فيه. و قال أيضا: إذا سمعت الرجل يقول: الإسم هو المسمى، أو غير المسمى، فأشهد أنه من أهل الكلام و لا دين له، و قال أيضا حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، و يطاف بهم في العشائر، و القبائل و يقال: هذا جزاء من ترك الكتاب و السنة، و أخذ في الكلام. و قال الإمام أحمد رحمه اللّه: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، و لا تكاد ترى أحدا ينظر في الكلام إلا و في قلبه مرض و بالغ في ذمه حتى هجر الحارث المحاسبي، مع زهده و ورعه، لتصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة، و قال له: ويحك أ لست تحكي بدعتهم أولا ثم ترد عليهم؟أ لست تحمل الناس، بتصنيفك على مطالعة كلام أهل البدعة، و التفكير فيه، فيدعوهم ذلك إلى الرأي و البحث؟و قال أحمد أيضا: علماء الكلام زنادقة. و قال مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع و الأهواء. قال بعض أصحابه في تأويل ذلك: إنه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام، على أي مذهب كانوا. و قال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق. و قد اتفق أهل الحديث من السّلف على هذا، و لا يحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه.
و أما الفرقة الأخرى، فاحتجوا بأن المحظور من الكلام، إن كان هو لفظ الجوهر و العرض، و هذه الاصطلاحات الغريبة، التي لم يعهدها الصحابة رضي اللّه عنهم فالأمر في ذلك قريب، إذ