حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٠ - الأسد
أ ما تختشي من أسدنا فأجبتهم # هوى كل نفس أين حل حبيبها
و ضربوا المثل أيضا بأسد الشرى و هو طريق بسلمى كثيرة الأسد، قال الفرزدق [١] :
و إن الذي يسعى ليفسد زوجتي # كساع إلى أسد الشرى يشتبيلها [٢]
قيل: معنى يشتبيلها: يأخذ أولادها و ينسب إلى الفرزدق مكرمة يرجى له بها الجنة، و هي أنه لما حج هشام بن عبد الملك، في أيام أبيه، طاف بالبيت، و جهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه فلم يقدر على ذلك، لكثرة الزحام، فنصب له كرسي و جلس عليه ينظر إلى الناس، و معه جماعة من أعيان أهل الشأم، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي اللّه تعالى عنهم، و كان من أجمل الناس وجها، و أطيبهم أرجى فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم الحجر، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشأم، و كان الفرزدق حاضرا فقال أنا أعرفه: فقال الشامي من هو يا أبا الفوارس؟فقال [٣] الفرزدق:
هذا ابن خير عباد اللّه كلهم # هذا التقي النقيّ الطاهر العلم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته # و البيت يعرفه و الحل و الحرم
إذا رأته قريش قال قائلها # إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت # عن نيلها عرب الإسلام و العجم
يكاد يمسكه عرفان راحته # ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
في كفه خيزران ريحه عبق # من كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء و يغضى من مهابته # فما يكلم إلا حين يبتسم
ينشق نور الهدى من نور غرّته # كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم
مشتقة من رسول اللّه نبعته # طابت عناصره و الخيم و الشّيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله # بجدّه أنبياء اللّه قد ختموا
اللّه شرّفه قدما و عظّمه # جرى بذاك له في لوحه القلم
و ليس قولك من هذا بضائره # العرب تعرف من أنكرت و العجم
كلتا يديه غياث عمّ نفعهما # يستوكفان و لا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره # يزينه اثنان حسن الخلق و الشيم
حمال أثقال أقوام إذا اقترحوا # حلوا الشمائل يحلو عنده نعم
ما قال لاقط إلا في تشهده # لو لا التشهد كانت لاؤه نعم
عم البرية بالإحسان فانقشعت # عنها الغيابة و الإملاق و العدم
[١] الفرزدق هو همام بن غالب بن صعصعة الدارمي، أحد شعراء النقائض في العصر الأموي مات سنة ١١٠ هـ.
[٢] ديوان الفرزدق: ٤١٧.
[٣] ديوانه: ٥١١.