حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٤٦ - فائدة أخرى
فَأَمََاتَهُ اَللََّهُ مِائَةَ عََامٍ [١] الآية و قوله تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ [٢] أي لم يتغير و كان التين كأنه قطف من ساعته، و العصير كأنه عصر من ساعته. نقله عن وهب بن منبه انتهى. و سيأتي الكلام على الخضر و اختلاف العلماء في اسمه و نبوته في لفظ الحوت من هذا الباب.
و قال قتادة و عكرمة و الضحاك إن بختنصر لما خرب بيت المقدس، و أقدم سبي بني إسرائيل بابل، كان فيهم عزير و دانيال و سبعة آلاف من أهل بيت داود عليه الصلاة و السلام، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حماره حتى نزل بدير هرقل، على شط دجلة فطاف في القرية فلم ير فيها أحدا، و رأى عامة شجرها حاملا فأكل من الفاكهة، و اعتصر من العنب فشرب منه، و جعل الفاكهة في سلة، و العصير في زق. فلما رأى خراب القرية، قال: أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا [٣] قالها تعجبا لا شكا في البعث. و قال السدي: إن اللّه تعالى أحيا عزيرا ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك و بليت عظامه، فبعث اللّه ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل و جبل ذهب بها الطير و السباع فاجتمعت و ركب بعضها في بعض. و هو ينظر فصار حمارا من عظم ليس فيه لحم و لا دم، ثم كسيت العظام لحما و دما فصار حمارا لا روح فيه، ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه، فقام الحمار و نهق بإذن اللّه تعالى. و قال قوم: أراد به عظام هذا الرجل، و ذلك إن اللّه عزّ و جلّ لم يمت حماره فأحيا اللّه عينيه و رأسه و سائر جسده ميت، ثم قال: انظر إلى حمارك فنظر فإذا حماره قائم، كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم و لم يشرب مائة عام. و تقدير الآية:
وَ اُنْظُرْ إِلىََ حِمََارِكَ، وَ اُنْظُرْ إِلَى اَلْعِظََامِ كَيْفَ نُنْشِزُهََا [٤] هذا قول قتادة و الضحاك و غيرهما.
و روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: لما أحيا اللّه عزّ و جلّ عزيرا بعد ما أماته مائة سنة، ركب حماره و قصد بيت المقدس حتى أتى محلته، فأنكره الناس و أنكروا منزلته فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها من العمر مائة و عشرون سنة، كانت أمة لهم، و كان عزير قد خرج عنهم و هي ابنة عشرين سنة و كانت قد عرفته و عقلته، فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير؟قالت: نعم. هذا منزل عزير، و بكت و قالت: ما رأيت أحدا منذ كذا و كذا سنة يذكر عزيرا. قال: أماتني مائة سنة، ثم بعثني. قالت: فإن عزيرا كان مجاب الدعوة، يدعو للمريض و صاحب البلاء بالعافية. فادع اللّه تعالى أن يرد على بصري حتى أراك، فإن كنت عزيرا عرفتك. فدعا ربه سبحانه و تعالى، و مسح بيده على عينيها فأبصرت، ثم أخذ بيدها و قال:
قومي بإذن اللّه تعالى. فأطلق اللّه رجليها، فقامت صحيحة فنظرت إليه و قالت: أشهد أنك عزير فانطلقت إلى بني إسرائيل، و هم في أنديتهم و مجالسهم، و فيهم ابن لعزير شيخ ابن مائة سنة و ثماني عشرة سنة، و بنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادت: هذا عزير قد أتاكم اللّه به، فكذبوها فقالت:
أنا فلانة مولاتكم دعا لي عزير به فردّ علي بصري و أطلق رجلي و زعم أن اللّه سبحانه كان أماته مائة سنة، ثم بعثه. قال: فأقبل الناس إليه فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو كما قال انتهى. و قال السدّي و الكلبي: لما رجع إلى قريته، و قد أحرق بختنصر التوراة، و لم يكن عهد بين الخلائق، بكى عزير على التوراة فأتاه ملك بإناء من اللّه تعالى، فيه ماء، فشرب منه، فمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل و قد علمه اللّه
[١] سورة البقرة: الآية ٢٥٩.
[٢] سورة البقرة: الآية ٢٥٩.
[٣] سورة البقرة: الآية ٢٥٩.
[٤] سورة البقرة: الآية ٢٥٩.